418

Тафсир Садра Мутаалихина

تفسير صدر المتألهين

في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم وهو من وجوه:

الأول: إن أجل العلوم رتبة، وأعلاها منزلة، وأرفعها درجة، وأعظمها ثمرة، العلم بذات الله الجليلة، وصفاته العالية، وأسمائه الحسنى، لأن العلم تابع للمعلوم، والمعلوم إذا كان أشرف الموجودات، فالعلم بذلك أشرف العلوم، وليس في المعلومات - موجودا كان أو معدوما - أشرف وأعلى من ذات الله القديمة، وصفاته وأسمائه، فيجب أن يكون العلم بها أشرف العلوم - وهذا مما لا شبهة فيه -.

الثاني: إن العلم إما ديني أو غير ديني، ولا شك أن الديني أشرف؛ والعلم الديني؛ إما علم بالأصول أو بالفروع؛ والأول أشرف، إذ ما عداه يخدمه وتتوقف صحته على علم الأصول؛ لأن المفسر يبحث عن معاني كلام الله المجيد، وذلك فرع على وجود الصانع واختياره وعلمه وقدرته وكلامه، وأما المحدث، فإنه إنما يبحث عن كلام الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكل ذلك فرع على العلم بوجود الرسول، والعلم بكيفية نبوته ورسالته وصدقه؛ والفقيه، إنما يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على التوحيد والنبوة؛ فثبت أن هذه العلوم كلها مفتقرة إلى العلم بالأصول، وظاهر أن علم الأصول غني عنها.

وإن سألت الحق، فجميع العلوم مفتقرة إلى العلم الكلي الإلهي، وهو غير مفتقر إليها، فهو علم حر مخدوم الكل، وسائر العلوم عبيده وخدمه، لأن موضوعات العلوم تكون مسلمة فيها على سبيل الوضع، وإنما يقام البرهان على وجودها ووجود مباديها في العلم الأعلى.

قال المحققون: مسائل كل علم بمنزلة قياسات استثنائية تثبت مقدماتها الاستثنائية في العلم الأعلى، فهو أشرف العلوم.

الوجه الثالث: إن شرف كل علم وعمل، وجلالة كل درك وفعل، إما بشرف موضوعه، وإما بحسن صورته، وإما بفضيلة فاعله، وإما بكمال غايته ونباهة الثمرة الحاصلة له؛ وهذا العلم مشتمل على الكل.

وذلك لأن علم الهيئة - مثلا -، أشرف من الطب نظرا إلى الموضوع، لأن موضوع الهيئة هو الأجرام الكريمة البسيطة الرفيعة عن أرجاس العنصريات، وموضوع الطب، هو بدن الإنسان المركب من الأخلاط العفنة والأضداد المستحيلة، القابل للأمراض والأوجاع، المتسارع إلى الموت والفساد، فيكون موضوع الهيئة أشرف من موضوع الطب.

والفقه أشرف منهما، باعتبار الغاية - وإن كان أدون منهما بحسب الموضوع، لأن موضوعه فعل المكلف - ومن الهيئة بحسب الأدلة والمبادئ، لأن أدلتها مقدمات يقينية وأدلة الفقه ظنية.

ثم لا شك أن الأسباب الأربعة في المعارف الربوبية: ففاعلها القوة النظرية والبصيرة العقلية المنورة بنور الله، المؤيدة من عنده، وهي أشرف أجزاء الجوهر النطقي المضاهي عند صيرورتها منورة بالفعل في التقدس والتنور لجواهر الملائكة العقلية، وهم سكان حظائر القدس، المجاورون للحضرة الإلهية والجنة العقلية.

وغايتها الوصول إلى الحضرة الإلهية والقرب من بارئ الكل، ومحرك ملكوت السموات والأرض بالتشويق العقلي والمحبة الإلهية.

Неизвестная страница