379

Тафсир Садра Мутаалихина

تفسير صدر المتألهين

وفي السمآء رزقكم وما توعدون

[الذاريات:22] أن المراد هو الجنة والنار، وكما يروى في حديث المعراج أيضا: إنه صلى الله عليه وآله رأى في السماء الدنيا مالكا خازن النار، وفتح له طريقا من طرق النار لينظر إليها حتى ارتقى من دخانها وشررها وما عن يساره من الباب.

إذا تمهدت هذه المقدمات فنقول: إن الله تعالى أراد أن يكشف عن حال المنافقين الذين كانوا مشتغلين باكتساب الظواهر، والإغترار ببعض الآثار، ولم يباشر الإيمان قلوبهم، واقتصروا على البحث والتكرار، وصرفوا كدهم في الصرف والنحو والأشعار، وحفظ قوالب الأحاديث والأخبار، طلبا لحطام هذه الدار، وتقربا إلى السلاطين والأشرار، بحال من استوقد نارا، وهي نار النفس الوقادة، التي تستوقد أولا من أشعة المدارك الحسية المتنورة بنور الصور المحسوسة، وهذه الأنوار الحسية التي تنفعل منها الحواس، وتخرج بها من القوة إلى الفعل، أنوار حادثة متجددة زائلة عند فتور القوى ودثورها حين استيلاء المرض والهرم عليها، وإنما الفائدة فيها تنبه النفس بصور هذه المدركات، لتنتقل منها إلى إدراك صورها العقلية وأنوارها المعنوية الحاصلة في عالم الأنوار، وبها تخرج قوتها العاقلة إلى الفعل، وتستسعد بالسعادة الأخروية.

فمن اقتصر حاله في استعمال هذه القوى لا لأجل تحصيل المعارف الإلهية والتنور بأنوارها الدائمة، فهو كمن استوقد نارا واستضاء ما حول نفسه بتلك النار، وهي القوى الحساسة والمحركة، وحين أضاءت النار ما حوله من القوى والمدارك الخارجة عن ذاته قبل أن يبلغ أثر الضوء إلى نفسه، ذهب الله بنورهم، أي بنوره وبنور من يحذو حذوه، لأن الأنوار المحسوسة كلها زائلة داثرة تنقص وتندثر، عند عروض الشيب والموت، ثم لم يبق لهم نور أصلا، لا نور الحواس لزوالها عند الموت؛ ولا نور الإيمان والمعرفة، لعدم اكتسابهم له، فلا جرم تركوا في ظلمات الموت والجهالة وغيرها، كظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة الضلال، وظلمة سخط الله، وظلمة يوم القيامة وظلمة عذاب السرمد، كأنها ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، فلا يبصرون شيئا، وسلبت قواهم وجوارحهم كلها، فلا سمع ولا نطق ولا بصر، كما لا أذن ولا لسان ولا عين، فهم صم بكم عمي لا يرجعون، لأن الرجوع إلى الفطرة الأولى من الممتنعات، والممتنع لا يكون مقدورا أصلا.

فالآية مثل ضربه الله لمن آتاه ضربا من الهدى فأضاعه، ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد وسعادة السرمد، فبقي متحيرا متحسرا في ظلمة لا أوحش منها، مسلوب الحواس والآلات تقريرا وتوضيحا لما تضمنته الآية الأولى.

ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقين، وكل من آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة الأولى، ويمكن أن يكون المراد من قوله: { فلما أضاءت ما حوله } ، أن الرجل المنافق قد يكون من أهل الوعظ والتذكير، يستضيء بنور وعظه وتذكيره حواليه من المستمعين، وهو نفسه لا ينتفع بما يقوله ولا يعمل به، كما قيل: " مثل العالم بأمر الله غير العالم بالله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء غيره " وفي الحديث عنه:

" إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ".

فهذا ما تيسر لنا في فهم هذه الآية بفضل الله، ولنرجع إلى حل الألفاظ وما ذكره المفسرون إنشاء الله.

فصل

ما هو ضرب المثل

Неизвестная страница