808

ثم قال سبحانه على سبيل التقرير والتثبيت لأرباب المعرفة والإيقان على جادة التفويض والتكلان: { مآ أصاب } على من أصاب وما أصاب { من مصيبة } أي: حادثة مفرحة أو مؤلمة { إلا بإذن الله } وبمقتضى إرادته وتقديره { ومن يؤمن بالله } ويفوض أمره إليه، ويأخذه وكيلا، ويجعله حسيبا وكفيلا { يهد قلبه } وينور خلده، ويبصره على أمارات التوحيد وعلامات اليقين { و } بالجملة: { الله } المطلع على عموم ما غاب، وشهد { بكل شيء } دخل في حيطة قدرته { عليم } [التغابن: 11] بعمله الحضوري بحيث لا يعزب عنه شيء مطلقا.

{ و } بالجملة: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } المبلغ لكم طريق الهداية والرشاد، المبين لكم سبيل السلام والسلامة والنجاة في يوم المعاد { فإن توليتم } وأعرضتم عن دعوته بعد تبليغه وإرشاده فلا بأس عليه { فإنما على رسولنا } بمقتضى وحينا وأمرنا { البلاغ المبين } [التغابن: 12] الظاهر والواضح.

وبد تبليغه عن وجهه لم يبق عليه شيء، وعلينا حسابكم وعذابكم.

وكيف يتأتى منكم الإعراض أيها المعرضون المبطلون، مع أنه { الله } الواحد الأحد، المستقل بالألوهية والربوبية { لا إله } أي: موجود في الوجود { إلا هو } بتوحيده واستقلاله { وعلى الله } لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية { فليتوكل المؤمنون } [التغابن: 13] في عموم حوائجهم ومهماتهم.

[64.14-18]

{ يأيها الذين آمنوا } وأيقنوا وحدة الحق واستقلاله في الوجود { إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يشغلونكم عن طاعة الله، وعن التوجه نحوه، والتوكل عليه بالتقريع والتشنيع، ويردونكم في أمر المعاش وتحصيله إلى المعاطب والمهالك؛ حتى تسألوا من كل غني غبي، وشحيح دني، فتسترزقون منهم، وترزقون لهم، ولا تثقون بالله، ولا تعتمدون عليه في كفالته وترزيقه فتزل ثقتكم عن خالقكم ورازقكم، وتزل قدمكم عن التثبت في صراط التوكل والتفويض.

وبالجملة: { فاحذروهم } أي: عن الأولاد والأزواج، ولا تأمنوا من مكرهم وغوائلهم { وإن تعفوا } عن جرائمهم وتشنيعاتهم، وتوصلوهم إلى ما أملوا وترقبوا منكم { وتصفحوا } أي: تعرضوا عن إعراضهم، وعدم الالتفات إلى حالهم { وتغفروا } أي: تمحو وتستروا ما صدر عنهم من التشنيع والتقريع، فتشتغلوا إلى إنجاح أغراضهم وإيجاد آمانيهم بعدما وفقكم الحق عليها { فإن الله } المطلع على ما في ضمائرهم من مراعاة جانب الأولاد والأزواج { غفور } لذنوبكم التي صدرت عنكم في أمر المعاش إن كانت برخصة شرعية { رحيم } [التغابن: 14] يرحمكم ويمحو زلتكم إن كان سعيكم؛ لتحصيل مقدار الكفاف والكفاية والقناعة، لا للفضول منها.

وبالجملة: { إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } عظيمة، واختبار شديد لكم، فعليكم ألا تغتروا بهما فإنهما من شباك الشياطين وحبالهم، يريدون أن يصدوكم عن سبيل الله بتزيينهما إليكم، وتحبيبهما في قلوبكم؛ لتشتغلوا بهما عن الله فتحطوا عن زمرة المخلصين { والله عنده أجر عظيم } [التغابن: 15] للمخلصين المجتنبين عن الالتفات إلى الغير مطلقا.

وبالجملة: { فاتقوا الله ما استطعتم } واجعلوه وقاية لنفوسكم من تغرير الشيطان وفتنته { واسمعوا } قول الله بسمع الرضا والقبول { وأطيعوا } أمره ونهيه، ولا تخرجوا عن مقتضى حكمه وأحكامه مطلقا { وأنفقوا } مما رزقكم الله، واستخلفكم عليه امتثالا لأمره، وطلبا لمرضاته ، وافعلوا جميع ما أمركم الحق، سيما الإيثار والإنفاق؛ ليكون امتثالكم وإنفاقكم { خيرا لأنفسكم } في أولاكم، وذخرا لكم في أخراكم، ومن معظم فوائد الإنفاق: صون النفس عن الشح المطاع { ومن يوق شح نفسه } بالبذل والإنفاق { فأولئك } السعداء المتصفون بالكرم والسخاء { هم المفلحون } [التغابن: 16] الفائزون من الله بالمثوبة العظمة، والدرجة العليا.

وبالجملة: { إن تقرضوا الله } المنعم المتفضل أيها المنفقون المحسنون { قرضا حسنا } مقرونا بالإخلاص والرضا، ومصونا عن وصمة المن والأذى { يضاعفه لكم } إحسانكم أضعافا كثيرة { ويغفر لكم } ذنوبكم، وإن عظمت وكثرت { و } بالجملة: { الله } المطلع على إخلاص عباده في أعمالهم ونياتهم فيها { شكور } يحسن المحسن جزاء إحسانه أضعافا مضاعفة، ويزيد عليها تفضلا وامتنانا { حليم } [التغابن: 17] لا يعاجل بعقوبة المسيء رجاء أن يعود ويتوب، ويعتذر لما يصدر عنه من الذنوب.

Неизвестная страница