806

{ و } بعدما سمعتم مآل أموالكم إلى ما يتفرع عليها من الحرمان والخسران { أنفقوا من ما رزقناكم } وسقنا نحوكم من أموال الدنيا { من قبل أن يأتي أحدكم الموت } يعني: أنفقوا قبل حلول الأجل، وظهور أمارات الموت، وعلامات الفزع { فيقول } المحتضر منكم حينئذ متحسرا: { رب لولا أخرتني } أي: هلا أمهلتني يا رب { إلى أجل قريب } وأمد غير بعيد { فأصدق } وأتصدق من مالي هذا على الوجه المأمور طلبا لمرضاتك { و } بعد التصدق { أكن من الصالحين } [المنافقون: 10] المنفقين، الممتثلين لأمرك، المقبولين عندك.

{ و } اعلموا أيها المؤمنون يقينا أنه { لن يؤخر الله نفسا } ولن يمهلها أبدا { إذا جآء أجلهآ } وحل ما قدر لها؛ لرد الأمانة فيه من الزمان والآن، وكذا لن يقدمها عليه أصلا، فعليكم التدارك والتلافي قبل حلول الأجل { و } بالجملة: { الله } المراقب عليكم في عموم أحوالكم { خبير بما تعملون } [المنافقون: 11] في أيام حياتكم من خير وشر، فيجازيكم على مقتضى خبرته بلا فوت شيء من عملكم خيرا كان أو شرا.

خاتمة السورة

عليك أيها المحمدي المنكشف برجوع العكوس والأظلال إلى ما منه بدت وظهرت، ألا وهي شمس الوحدة الذاتية أن تعرف أن إظهار المعارف المظاهر، وبسط الظل عليها، وامتداده إياها إنما هي بغتة بلا سبق مادة ومدة، وآلة ومقدمة، كذلك القبض والإخفاء إنما يكون كذلك، فلك ، تكون في مدة ظهورك على ذكر من ربك، بحيث لا يشغلك عنه شيء ساعة، ولا تغفل عنه وعن التوجه نحوه لحظة وطرفة، فإنك ما تدري متى يحل الأجل؟ فإذا حل لا يمكنك التدارك والتلافي.

جعلنا الله من زمرة المستيقظين في عموم الأحوال.

[64 - سورة التغابن]

[64.1-5]

{ يسبح لله } ويقدس ذاته عن مطلق النقائض على وجه الإطلاق بعدما لم يبلغ كنه أسمائه وصفاته حتى يعد، ويحصى بتبيان مظاهر { ما في السموت وما في الأرض } من ذرائر عموم الأكوان، وكيف لا يقدسه جميع الأعيان؛ إذ { له الملك } على سبيل التخصيص، لا مالك له سواه، ولا مستولي عليه إلا هو { و } كذا { له الحمد } على سبيل الحصر والاختصاص؛ إذ لا مستحق للحمد بالاستحقاق إلا هو، ولا مفيض للنعم على الآفاق غيره، ولا مقدر للأرزاق إلا هو { و } بالجملة: { هو } بذاته { على كل شيء } دخل في حيطة وجوده { قدير } [التغابن: 1] لا ينتهي قدرته بمقدور دون مقدور.

وكيف لا يكون سبحانه قديرا لعموم المقدورات، مع أنه { هو الذي خلقكم } وأظهركم، وقدر خلقكم من كتم العدم على سبيل الإبداع بلا سبق مادة ومدو، وفصلكم بعدما أظهركم { فمنكم كافر } ساتر للحق، موفق عليه، محجوب بغيوم هوياته الباطلة الإمكانية عن شمس الحقيقة الحقية { ومنكم مؤمن } موفق على الإيمان، مجبول على فطرة التوحيد والعرفان، ميسر لها؛ لذلك يصير إيمانه عيانا، وعيانه حقا وبيانا { و } بالجملة: { الله } المطلع على عموم ما في استعدادات عباده { بما تعملون } من عموم الأعمال في جميع الشئون والأحوال { بصير } [التغابن: 2] فيعامل معكم بما يناسب أعمالكم.

واعلموا أيها المكفلون { خلق } سبحانه، وأظهر بكمال قدرته { السموت والأرض بالحق } أي: مظاهر ما في المعلومات والسفليات ملتبسة بالحكمة المتقنة، البالغة في الإحكام والإتقان حدا لا يبلغ كنهه أحلام الأنام، وبعدما رتبها بحكمته على هذا النظام الأبلغ الأبدع انتخب من مجموع الكائنات ما هو زبدته وخلاصته { وصوركم } أيها المجبولون على فطرة التوحيد والتحقيق منها { فأحسن صوركم } إذ خلقكم على صورته قابلا لخلافته، لائقا للتخلق بأخلاقه، والاتصاف بصفوة أوصافه، وجعل فطرتكم غاية وعلة غائية مرتبة على عموم مظاهره ومصنوعاته { و } كيف لا يصوركم بصورته، ولا يحسن صوركم؛ إذ { إليه المصير } [التغابن: 3] أي: مصير الكل نحوه، ومرجعه لديه، ومبدؤه منه، ومعاده إليه؟!

Неизвестная страница