Тафсир
تفسير الجيلاني
ثم قال سبحانه تعريضا على الكفرة المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنه قد ورد في كتبهم المنزلة عليهم بعثته وحليته صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنون بها، مصدقون بجميع ما فيها سوى بعثته صلى الله عليه وسلم، وما جاء فيها من أوصافه صلى الله عليه وسلم الدالة على علو شأنه، ورفعة قدره ومكانه، وبالجملة: { مثل } القوم { الذين حملوا التوراة } أي: علموها وكلفوا بما فيها من الأوامر والنواهي، ومطلق الأحكام { ثم لم يحملوها } ولم ينتفعوا، ولم يصدقوا بما فيها، سيما نعوت الحضرة الختمية المحمدية صلى الله عليه وسلم، مثلهم في حمل التوراة عليهم، وتكليفا لهم { كمثل الحمار يحمل أسفارا } كتبا من العلم يحمل عليه، ويتعب بثقلها، ولا ينتفع بها { بئس } المثل { مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } الدالة على عظمة ذاته، ومتانة حكمه وحكمته في عموم مأموراته ومنهياته { و } بالجملة: { الله } العليم الحكيم، المتقن في أفعاله { لا يهدي } إلى توحيد { القوم الظالمين } [الجمعة: 5] الخارجين عن مقتضى عبوديته بمتابعة شياطين أماراتهم بسوء.
[62.6-11]
{ قل } يا أكمل الرسل على سبيل التبكيت والإلزام نيابة عنا لليهود الذين يدعون محبة الله وولايته بقولهم: نحن أولياء الله وأحباؤه مناديا لهم، متهكما معهم: { يأيها الذين هادوا } وتهودوا { إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت } املقرب لكم إلى الله؛ إذ الانتقال من دار الغرور إلى دار السرور تقربكم إلى الرحيم الغفور { إن كنتم صادقين } [الجمعة: 6] في دعوى المحبة والولاء، فمتنوه.
{ و } الله يا أكمل الرسل { لا يتمنونه } أي: لا يتمنى أحد منهم الموت أصلا { أبدا بما قدمت أيديهم } أي: بسبب ما قدموا، واقترفوا بأنفسهم من الكفر والعصيان، وأنواع الفسوق والطغيان { و } بالجملة: { الله } المطلع بعموم ما في استعدادات عباده { عليم بالظالمين } [الجمعة: 7] وبما في ضمائرهم من المحبة والقساوة، يجازيهم على مقتضى علمه.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما أعرضوا عن تمني الموت وابتغائه طلبا لمرضاة الله، وشوقا إليه أيضا على وجه التبكيت والإلزام: { إن الموت الذي تفرون منه } وتخافون أن تمنوه بلسانكم مخالفة أنه لا يلحقكم، بل تفرون عن مجرد التلفظ به، فكيف عن لحوقه { فإنه ملاقيكم } ملاصقكم، ولاحق بكم حتما؛ إذ كل نفس ذائقة كأس لموت، ولك حي لا بد وأن يموت سوى الحي الذي لا يموت، ولا يفوت { ثم } بعدما تموتون { تردون } وتحشرون نحو المحشر، وتعرضون { إلى عالم الغيب والشهادة } بعلمه الحضوري { فينبئكم } ويخبركم حينئذ { بما كنتم تعملون } [الجمعة: 8] من خير وشر، فيجازيكم عليهما.
ثم لما تهاون المسلمون في أمر الجمعة، وتكاسلوا في الاجمتاع قبل الصلاة، بل انفضوا وصرفوا عن الجامع حين خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سمعوا صداء الملاهي المعهودة لمجيء العير على ما هو عادتهم دائما، عاتبهم الله سبحانه، وأنزل عليهم الآية: { يأيها الذين آمنوا } مقتضى إيمانكم: المبادرة إلى مطلق الطاعات، سيما { إذا نودي } وأذن { للصلاة من يوم الجمعة } أي: في يوم الجمعة، وهو الأذان المعهود قبيل الجمعة { فاسعوا } مسرعين مجيبين { إلى } سماع { ذكر الله } في الخطبة والتذكيرات الواردة فيها { وذروا } واتركوا { البيع } بعد سماع الأذان { ذلكم } أي: ترك البيع والانصراف نحو المسجد { خير لكم } وأنفع في عقابكم { إن كنتم تعلمون } [الجمعة: 9] صلاحكم وإفسادكم في أولاكم وأخراكم.
{ فإذا قضيت } وأديت { الصلاة } المكتوبة لكم يوم الجمعة مع الإمام { فانتشروا في } أقطار { الأرض وابتغوا } واطلبوا حوائجكم { من فضل الله } وإحسانه، وسعة جوده وإنعامه { و } بالجملة: { اذكروا الله } المنعم المفضل عليكم { كثيرا } في عموم أحوالكم وأعمالكم، ولا تحصروا ولا تقصروا ذكره في الصلوات المفروضة فقط، بل اشتغلوا بذكره في عموم الأوقات والحالات، بالقلب واللسان، وسائر الجوارح والأركان؛ إذ ما من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا يفقهون تسبيحهم إلا قليلا، وواظبوا عليه { لعلكم تفلحون } [الجمعة: 10] وتفوزون بخير الدارين.
{ و } هم من غاية حرصهم على مقتضيات القوى البهيمية بعدما كانوا في الجامع عند سماع الخطبة { إذا رأوا } وسمعوا { تجارة } حاضرة تدبير الناس حولها { أو لهوا } طبلا مخبرا لهم على مجيئ العير { انفضوا إليها } أي: مالوا وتحركوا نحوها مسرعين، فخرجوا من الجامع سوى اثني عشر من الرجال والنساء { وتركوك } يا أكمل الرسل { قآئما } على المنبر، وما هي إلا ثلمة ظهرت في الدين المستبين، موجبة مقتضية للتهاون بأحكام الشرع المتين، حدثت فيما بينهم.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل إزاحة لها، وإزالة لما يتفرع عليها: { ما عند الله } من المثوبات الأخروية الموجبة للدرجات العلية، والمقامات السنية { خير } لكم وأصلح بحالكم، وأعظم نفعا، وأبقى فائدة { من اللهو ومن التجارة } إذ لا نفع لها عند أهل الحق وإن فرض، فهو متناه زائل عن قريب، بخلاف الكرامة الأخروية فإنها تدوم أبدا { و } إن عللوا انفضاضهم بتحصيل الرزق الصوري قل لهم يا أكمل الرسل: { الله } المظهر لكم من كتم العدم، المدبر المربي لأشباحكم بما ليس في وسعكم { خير الرازقين } [الجمعة: 11] يرزقكم من حيث لا تحستبون إن توكلتم عليه مخلصين، وفوضتم أموركم إليه سبحانه واثقين بكرمه العميم، وجوده العظيم.
خاتمة السورة
Неизвестная страница