668

{ فاصبر } أنت أيضا يا أكمل الرسل على ما أصابك من أذيات هؤلاء الجهلة المستكبرين المعاندين معك، وانتظر إلى ما وعدك الحق من النصر والظفر وإعلاء دين الإسلام، وإظهاره على الأديان كلها { إن وعد الله } العليم القدير الحكيم الخبير { حق } ثابت محقق إنجازه ووفاؤه، إلا أنه مرهون بوقته، فيسنصرك ويغلبك على أعدائك عن قريب، ويبقى آثار هدايتك وإرشادك بين أوليائك إلى النشأة الأخرى { واستغفر لذنبك } أي: اشتغل في عموم أوقاتك بالاستغفار لفرطاتك؛ ليكون استغفارك هذا سنة سنية منك لأمتك { وسبح } أيضا { بحمد ربك } في جميع حالاتك وأوقاتك؛ إذ كل نفس من أنفاسك يستلزم شكرا منك، سيما { بالعشي والإبكار } [غافر: 55] أي: في أول النهار وأواخره؛ إذ هما وقتان خاليان عن تزاحم الأشغال وتفاقم الآمال، وبالجملة: كن مع ربك في جميع أحوالك وأطوارك، يكفي مؤنة جميع من عاداك وعاندك.

ثم قال سبحانه: { إن } المشركين المعاندين { الذين يجادلون } ويخاصمون معك يا أكمل الرسل { في آيات الله } المنزلة عليك لتأييد دينك وشأنك على سبيل المكابرة والعناد { بغير سلطان } أي: حجة وبرهان { أتاهم } وفاض عليهم من ربهم على طريق الوحي والإلهام { إن في صدورهم } أي: ما في صدورهم وضمائرهم شيء يبعثهم على المجادلة { إلا كبر } وخيلاء مركوز في جبلتهم، تقية لثروتهم ورئاستهم على زعمهم الفاسد، مع أنه { ما هم ببالغيه } على مقتضى ما جبلوا في نفوسهم؛ إذ هم سيغلبون عن قريب في هذه النشأة الأولى، ويحشرون إلى جنهم البعد والخذلان في الأخرى { فاستعذ بالله } القوي القادر، والتجئ إليه سبحانه عن غدر كل غادر { إنه } سبحانه { هو السميع البصير } [غافر: 56] بنياتهم وأفعالهم، يكفيك مؤنة ما يقصدون عليك بمقتضى آرائهم الباطلة.

[40.57-60]

ومن أعظم ما يجادلون فيه أولئك المكابرون أمر السعة والمعاد الجسماني، وبعث الموتى من قبورهم وحشرهم إلى المحشر، والله { لخلق السموت والأرض } أي: إظهار العلويات والسفليات من كتم العدم على سبيل الإبداع في النشأة الأولى { أكبر } وأعظم { من خلق الناس } وإعادتهم أحياء في النشأة الأخرى { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [غافر: 57] قدرة الحق واقتداره على جميع ما دخل في حيطة علمه الشامل، وإرادته الكاملة؛ لقصورهم نظرهم عن إدراك الحق وصفاته

ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

[النور: 40].

ثم أشار سبحانه إلى تفاوت طبقات عباده في العلم بالله والجهل به وبصفاته، فقال: { وما يستوي الأعمى } الغافل عن ظهور ذات الحق ومقتضيات أوصافه العظمى وأسمائه الحسنى { والبصير } العرف الكاشف بوحدة الحق، وظهوره سبحانه على هياكل جميع ما ظهر وبطن سبحانه حسب أسمائه وشئونه الذاتية { و } لا المصلحون المحسنون { الذين آمنوا } بالله واعتقدوا بتوحيده { و } مع ذلك { عملوا الصالحات } المقبولة عنده سبحانه من الأعمال والأفعال المترتبة على الإيمان واليقين { ولا المسيء } أي: المسيئون الأدب مع الله، وهم الكفرة الذين لا يؤمنون بالله، ولا يتصفون بتوحيده، بل يستروحون شروق شمس ذاته بغيوم هوياتهم الباطلة، وأظلال أنانياتهم الزائلة المضمونة في شمس الذات؛ لذلك عملوا عملا سيئا بمقتضى ما تهويه نفوسهم الخبيثة وأخلاقهم السخيفة ، لكن { قليلا ما تتذكرون } [غافر: 58] أي: ما تتذكرون وتتفطنون على عدم المساواة إلا تذكرا قليلا؛ لذلك تنكرون البعث والحشر.

وكيف تنكرونه؟! { إن الساعة } الموعودة على ألسنة عموم الأنبياء والرسل { لآتية } ألبتة؛ بحيث { لا ريب فيها } أي: في مجيئها ووقوعها بوضوح الدلائل العقلية الدالة على إمكان إعادة المعدوم، مع أنها مديدة بالوحي والإلهام على عموم الأنبياء والرسل الكرام { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } [غافر: 59] بها، ولا يصدقون وقوعها وقيامها؛ لانحطاطهم عن مرتبة الخلافة المترتبة على فطرة التوحيد واليقين.

{ و } بعدما أشار سبحانه إلى مرتبة كلا الفريقين الموعد والمشرك، أشار إلى أن من توجه نحوه محننا، وقصد تجاه توحيده مجتهدا، ودعا إليه متضرعا، أجاب له وأنجح مطلوبه؛ حيث { قال ربكم } الذي رباكم على فطرة التوحيد والعرفان: { ادعوني } أيها المكلفون بمقتضى العقل المفاض حق دعوتي، وتوجهوا إلى مخصلين بلا رؤية الأسباب والوسائل في البين { أستجب لكم } دعوتكم، وأوصلكم إلى مقصدكم ومقصودكم الذي هو توحيد الذات، فعليكم ألا تستكبروا عن عبادتي وإطاعتي، وبالجملة: { إن } المسرفين { الذين يستكبرون } ويستكنفون { عن عبادتي } بمقتضى أرائهم الباطلة وأهوائهم الفاسدة { سيدخلون } في يوم الجزاء { جهنم } الحرمان والخذلان { داخرين } [غافر: 60] صاغرين ذليلين مهانين.

[40.61-65]

Неизвестная страница