651

وبالجملة: { ذلك } أي: الكتاب الرفيع الشأن، الواضع البرهان { هدى الله } الهادي لعباده { يهدي به } ويوفق على الهداية والرشاد بمقضتى ما فيه { من يشآء } من عباده، ويضل به وعن الاستفادة بما فيه من يشاء إرادة واختيار { ومن يضلل الله } بمقتضى قهره وجلاله { فما له من هاد } [الزمر: 23] إذ لا يبدل قوله، لا ينازع حكمه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

{ أفمن يتقي } أي: يصل ويدخل { بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } أي: أشده وأسوأه؛ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل في أيديهم، يسبحون إلى النار بحيث لا يصل منهم إليها أولا إلا وجوههم، كمن آمن منه وسلم عن مطلق المكاره؟! كلا وحاشا { وقيل } حينئذ { للظالمين } الخارجين من مقتضى الحدود الإلهية ظلما وعدوانا على سبيل التوبيخ والتقريع: { ذوقوا } أيها المنهمكون في بحر الغفلة والشهوات جزاء { ما كنتم تكسبون } [الزمر: 24] في دار الاختبار، بمقتضى أهويتكم الفاسدة وآرائكم الباطلة.

[39.25-29]

وليس هذا التكذيب والجزاء المترتب عليه مخصوصا بهؤلاء الكفرة المكذبين لك يا أكمل الرسل، بل كل من { كذب الذين } مضوا { من قبلهم } من المشركين رسلهم المبعوثين إليهم { فأتاهم العذاب } فجأة { من حيث لا يشعرون } [الزمر: 25] مقدماته وأماراته أصلا.

{ فأذاقهم الله } المنتقم منهم { الخزي } أي: الذل والهوان، والخيبة والخسران { في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة } المعد لهم فيها { أكبر } أي: أشد وأفزع { لو كانوا يعلمون } [الزمر: 26] شدته وفطاعته لما ارتكبوا ما يؤول إليه ويوقعهم فيه.

{ و } الله { لقد ضربنا للناس } الناسين عهودنا ومواثيقنا { في هذا القرآن } المتكفل لأهداء عموم الضالين { من كل مثل } ينبههم على معالم الدين ومراسم التوحيد و اليقين { لعلهم يتذكرون } [الزمر: 27] رجاء أن يتعظوا بما فيه، ويتفطنوا بسرائره ومرموزاته.

مع أن جعلناه { قرآنا عربيا } أوضح بيانا، وأعظم شأنا، وأجل تبيانا وبرهانا { غير ذي عوج } أي: بلا اختلال واختلاف في معناه، موجب للتردد والالتباس والشك والارتياب { لعلهم يتقون } [الزمر: 28] عن محارمنا، ويحذرون عما نهيناهم عنه، ومع ذلك لم يتقوا، بل لم يتنبهوا ولم يتفطنوا أصلا.

ولهذا { ضرب الله } ضرب المطلع على جميع ما في استعدادات عباده وقابلياتهم { مثلا } موضحا لحال الموحد منهم والمشرك، وشبه كلتا الطائفتين برجلين مملوكين { رجلا } مملوكا { فيه شركآء } أي: له أرباب متشاركون فيه، كلهم { متشاكسون } أي: مشتاخصون متخالفون في استخدامه، متنازعون في شأنه، يتجاذبونه على مقتضى أهويتهم وأمانيهم بكمال الاستيلاء الغلبة، هذا مثل المشركين بالنسبة إلى معبوداتهم الباطلة.

{ ورجلا } أي: مملوكا آخر { سلما لرجل } أي: مسلما مخصوصا لمالك فقط بلا شوب شركة فيه، ونزاع في أمره، هذا مثل الموحد بالنسبة إلى ربه الواحد الأحد الصمد، الذي لا تعدد فيه ولا كثرة أصلا { هل يستويان } ويتماثلان { مثلا } هذان الرجلان المملوكان { الحمد لله } الذي لا شركة في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، بل ولا نزاع لأحد في حكمه، يفعل ما يشاء بالإرادة والاختيار، ويحكم ما يريد بالاستقلال { بل أكثرهم لا يعلمون } [الزمر: 29] وحدته واستقلاله في التصرفات الواردة، باعتبار شئونه وتطوراته، لذلك يشركون به غيره ظلما وجهلا.

[39.30-35]

Неизвестная страница