599

[الإخلاص: 3-4] { إلا بشر مثلنا } لا مناسبة لكم مع مرسلكم الذي هو من جنس البشر، فلا بد من المناسبة بين المرسل والرسل { و } دعواهكم الإنزال والإرشاد من عند الإله المنزه عن المكان والجهة ما هي إلا غرور وتلبيس { مآ أنزل الرحمن } المستغني عن الزمان والمكان، المنزه ذاته عن سمات الحدوث والإمكان { من شيء } إذ امثال هذه الأفعال إنما هي من لوازم الأجاسم وأوصاف الإمكان، وهو سبحانه على الوجه الذي وصفتم شأنه مقدس عن أمثاله { إن أنتم إلا تكذبون } يعني: ظهر من دعواكم واستنادكم أمثال هذه الأفعال إلى ربكم أنه ما أنتم في دعواكم هذه إلا كاذبون، مفترون على ربكم ما هو منزه عنه.

وبعدما تفطن الرسل منهم الإنكار والإصرار المؤكد { قالوا } في جوابهم أيضا على سبيل المبالغة والتأكيد؛ تتميما لأمر التبليغ والرسالة: { ربنا } الذي أرسلنا إليكم بوحيه وإلهامه { يعلم } بعلمه الحضوري { إنآ إليكم لمرسلون } [يس: 16] من عنده على مقضتى إرادته واختياره؛ إذ لا يجري في ملكه إلا ما يشاء، ولا يقع إلا ما يريد.

{ و } ما لنا شغل بإيمانكم وقبولكم، ولا بكفركم وشرككم، بل { ما علينآ } على مقتضى وحي الله إلينا { إلا البلاغ المبين } [يس: 17] أي: التبليغ الصريح الظاهر والبيان الواضح الموضح لرسالته إياكم، بلا فوت شيء منها وتقصير وتهاون بها، وإهداؤكم وإيمانكم مفوض إليه سبحانه في مشيئته، لا علم لنا به.

وبعدما سمعوا منهم المبالغة والتأكيد، انصرفوا عن المقاومة والمكالمة نحون التهديد بالقتل والرجم، حيث { قالوا } متطيرين متشائمين من نزولهم ومجيئهم، مستبعدين دعوتهم، منكرين له: { إنا تطيرنا بكم } أي: تشاءمنا منا بقدوكم؛ إذ منذ قدمتم ما نزل القطر علينا، أخرجوا من بيننا وارجعوا إلى أوطانكم سالمين، وانتهوا عن دعوتكم هذه الا تتفوهوا بها بعد، والله { لئن لم تنتهوا } عن هذياناتكم ومفترياتكم { لنرجمنكم } بالحجارة ألبتة { و } بالجملة: لو لم تنتهوا ولم تكفوا { ليمسنكم منا عذاب أليم } [يس: 18].

وبعدما سمعتم أيها الغرباء كلامنا هذا، فلكم الإصغاء والقبول والعمل بمقتضاه، وإلا فقد لحق بكم ما لحق.

{ قالوا } أي: الرسل، بعدما سمعوا منهم ما سمعوا وتفرسوا بغلظتهم وتشددهم في الإنكار والجحود: { طائركم معكم } أي: سبب شؤمكم إنما هو من أنفسكم وبسوء صنيعكم وأعمالكم { أ } لم ينتبهوا ولم يتفطنووا أنكم { ئن ذكرتم } وقبلتم قولنا، واتصفتم بما ذكرنا من الإيمان والتوحيد، لم يلحقكم شيء من المكروه، ومتى لم تتعظوا ولم تتصفوا لحقكم ما لحقكم بشؤم أنفسكم، فتتطيرون بنا عدوانا ولظما { بل أنتم قوم مسرفون } [يس: 19] مجاوزون في الإلحاد والعناد عن سبيل الهداية والرشاد، ومن كمال إسرافكم وإفراطكم تطيرتم بدين الله ودعوة رسله إليه.

[36.20-27]

{ و } بعدما سمعوا من الرسل ما سمعوا، صمموا العزم إلى قتلهم واجتمعوا ليرجموهم، وانتشر الخبر بن أظهر المدينة، وسعى من يسمع نحوهم حتى { جآء } حينئذ { من أقصا المدينة رجل } من السامعين، وهو حبيب النجار، وكان مؤمنا موحدا، يعبد الله، وكان قد لقي الرسولين الأولين حين دخلا المدينة أولا، فسلم عليهما وتكلم معهما، فقال لهما: من أنتمما؟ قال: رسولا عيسى النبي عليه السلام، إنما أرسلنا لندعوكم إلى طريق الحق وننقذكم من عبادة الأوثان، فقال: أمعكما آية؟ قالا: ونبرئ الأكمة والأبرص، فجاء بابنه المريض منذ سنين فمسحاه، فقام الابن سالما، نشفي المريض، فآمن لهما وصدقهما وانفصل عنهما مؤمنا، واشتغل بعبادة الله.

فدخلا البلد، وأظهرا الدعوة لأهلها وأنكروا عليهما، واتفقوا بقتلهما، فأخبر الحبيب بذلك، فجاء على الفور حال كونه { يسعى } ويذهب سريعا، فلما وصل المجمع ورآهم مجتمعين عليهما، فسألهما على رءوس الملأ: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى النبي عليه السلام ندعوكم إلى توحيد الحق، قال: هل تسألان الأجر والجعل لرسالتكما؟ قال: لا، ما أجرنا إلا على ربنا، ثم التفت نحو القوم { قال يقوم } ناداهم وأضافهم على نفسه؛ ليقبلوا منه كلامه، وكان مشهورا بينهم بالورع واعتدال الأخلاق: { اتبعوا المرسلين } [يس: 20] المبعثوين إليكم بالحق؛ ليرشدوكم إلى طريق الحق وتوحيده، إنما جمعل المرسلين مع أنهما اثنان؛ لأن الحبيب منهم حقيقة.

{ اتبعوا من لا يسألكم أجرا } أي: اتبعوا هاديا بالحق على الحق إلى الحق، خالصا لوجه الحق بلا غرض نفساني من جعل وغيره، كالمشتيخة المزورين الذين يجمعون بتلبيساتهم وتغريراتهم أموالا كثيرة من الحمقى المتماثلين نحو أباطليهم وتزويراتهم { و } كيف لا تتبعون أيها العقلاء الطالبون للهداية والصواب { هم مهتدون } [يس: 21] مصيبون، متصفون بالرشد والهداية قولا وفعلا .

Неизвестная страница