553

{ الم } [لقمان: 1] أيها الإنسان الكامل اللائق للوامع لطائف أنوار الوجود الإلهي، ولوائح آثار جوده، المكرم المؤيد من عنده بمزيد اللطف والكرم، الممتاز المتخصص من بيع جميع مظاهره بالمرتبة الجامعة المستجمعة لجميع المراتب العلية.

{ تلك } الآيات المتلوة عليك يا أكمل الرسل امتنانا لك، واختصاصا بشأنك { آيات الكتاب } أي: نبذ من آيات الكتاب { الحكيم } [لقمان: 2] المشتمل على الحكمة المتقنة، المنبعثة عن اجتماع القدرة الكاملة والإرادة الخالصة، المترتبين على العلم الكامل الإلهي الذي لا يغيب عن حضرة حضوره ذرة من ذرائر ما لاحت عليه شمس الوجود.

ولجمعيته وشموله، وصدق نزوله من عند الله اتصف بوصفه سبحانه تأكيدا ومبالغة، ولكونه نازلا من عنده سبحانه على مقتضى الحكمة البالغة؛ لتأييد رسوله المعبوث إلى كافة الأمم صار { هدى } عاما، ورشدا تاما كله للمتثلثين بما فيه من الأوامر والنواهي، والأحكام والقصص، والتذكيرات والعبر، والرموز والإشارات { ورحمة } خاصة نازلة من عنده سبحانه { للمحسنين } [لقمان: 3] الذي لا يرون غير الله في الوجود، ولا يعبدون سواه من الوسائل، ولا ينسبون الحوادث الكائنة في الآفاق إلى الأسباب العادية، والمحسنون المرضيون عند الله، الراضون بما جرى عليهم من نفوذ القضاء.

هم { الذين يقيمون الصلاة } ويواظبون عليها في جميع أوقاتهم وحالاتهم، سيما الأوقات المحفوظة المقبولة { ويؤتون } وينفقون جميع ما في أيديهم من الرزق الذي يسوق الحق إليهم في سبيله طلبا لمرضاته، سيما { الزكاة } المفروضة عليهم من عنده سبحانه تزكية لظواهرهم عن الالتفات إلى ما يشغلهم { و } مع ذلك لا يقتصرون أولئك السعداء المقبولون بتهذيب الظاهر والباطن، بل { هم بالآخرة } المعدة لتنقيد الأعمال وجزاء الأفعال { هم يوقنون } [لقمان: 4] علما وعينا وحقا.

وبالجملة: { أولئك } السعداء المتصفون بالخصائل السنية والأخلاق المرضية { على هدى } صريح صحيح، فائض نازل إياهم { من ربهم } تفضلا عليهم، وامتنانا لهم { وأولئك } الأمناء المقبولون المرضيون عند الله { هم المفلحون } [لقمان: 5] المقصورون على الفوز والفلاح

لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[البقرة: 38].

جعلنا الله من خدامهم وتراب أقدامهم.

{ ومن الناس } المجبولين على كفران نعم الله، ونسيان حقوق كرمه وجوده { من يشتري } ويستبدل آيات الكتاب المشتمل على أنواع الفضائل والكمالات، وأصناف الهدى والكرامات { لهو الحديث } أي: يستبدل الآيات الإلهية، ويختار بدلها من الأراجيف الكاذبة ما يلهي النفوس، ويشغلها عما يعينها ويفيدها، ويقربها إلى ما لا يعنيها ويضرها، وما ارتكب ذلك الضال المضل بما ارتكب من الاشتراء والاستبدال الفاسد إلا { ليضل } ويصرف { عن سبيل الله } من يميل إليها ويتوجه نحوها؛ ليتدين بدين الله، وينقاد لنبيه على مقتضى فطرته الأصلية، مع أنه صدر عنه هذا الصرف والمنع { بغير علم } يتعلق به منه نقلا، عن جهل مرتكز في جبلته، وحميته مركوزة في خبث طينته طبيعته.

{ و } بسبب ذلك الجهل الجبلي { يتخذها } إلى الآيات الموصلة إلى طريق الحق وتوحيده { هزوا } أي: محل استهزاء وسخرية؛ لجهله وغفلته عن السرائر المودعة فيها، والأسرار المكنونة في فحاويها { أولئك } البعداء المجبولون عن الغواية والضلالة أصلا وفرعا، تابعا ومتبوعا { لهم } في النشأة الأخرى { عذاب مهين } [لقمان: 6] يهينهم فيها بدل ما استهانوا بكتاب الله، واستهزءوا برسله ظلما وزورا بلا تدرب وتدبر.

Неизвестная страница