542

وبعدما طرحوا بتوفيق الله وجذب من جانبه ما أطرحوا من أباطيل التعينات ولوازم الهويات والأنانيات، وعموم الاعتبارات عن دفتر الوجود وفضاء الشهود، بحيث لم يبق لهم عين ولا أثر، بل لا معنى للمعية والمصاحبة والمقارنة، ولا تشوشك منطوقات الألفاظ والعبارات إن كنت من أهل الرموز والإشارات، هو يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

خاتمة السورة.

عليكم أيها المجتهد المتوجه نحو الحق، المتعطش بزلال توحيده، المعرض عن الباطل وما يترتب عليه من غوائل الشيطان ووساوسه أن يجتهد أولا في استخلاص نفسك البشرية عن أمانيها مطلقا، سيما أنية أمارتك المائلة بأنواع الفجور، المبغية على الله بأصناف الكفر والفسوق، والغيبة التي لا تفهم مقتضيات الوحدة وإشارات أرباب التوحيد أصلا، العرية عن مبدأ المعارف والحقائق والأسرار والمكاشفات، الواقعة في طريقه رأسا، فلك أن تروضها بمتاعب الرياضات ومشاق التكليفات إلى أن تجعلها مطمئنة راضية بما جرى عليها من القضاء.

ثم بعدما صارت نفسك مطمئنة راضية انبعث شوقك، واقتضى ذوقك مع جذب من جانب الحق إلى أن تجعلها فانية في هوية الله، مضمحلة في ذاته، متلاشية في أوصافه وأسمائه، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، فحيئنذ صرت في زمرة المحسنين المهديين، المرضيين الذين هم من الله في جميع حالاتهم لا بطريق المصاحبة والمقارنة، ولا بطريق الحلول والاتحاد على ما يخيلك الألفاظ والعبادات، بل بطريق الفناء فيه والرجوع إليه، والبقاء ببقائه.

جعلنا الله ممن اجتهد في طريق التوحيد، وجاهد نفسه في مسلك الفناء حتى بذلها في سبيل الله وأفناها في هويته بمنه وسعة جوده.

[30 - سورة الروم]

[30.1-7]

{ الم } [الروم: 1] أيها الإنسان الأفضل الأكمل اللبيب، اللائق الملازم المداوم لاتسكشاف غوامض أسرار الوجود، ورقائق دقائق آثار الكرم والجود، الفائضة من الخلاق الودود على خواص مظاهر الأكوان المحبوسين في مضيق الإمكان؛ ليوصلهم إلى فناء الوجوب وصفاء الكشف والشهود، مخلصين عن جميع الأوهام والخيالات المستتبعة لأنواع الضلالات والجهالات.

{ غلبت الروم } [الروم: 2] أي: صاروا مغلوبين من عسكر الفرس.

{ في أدنى الأرض } وأقربها من أرض العرب وأرض الروم، وهي أذرعات الشام أو الأردن أو فلسطين - على اختلاف الروايات من أصحاب التواريخ - { و } ولا تغتموا أيها المؤمنون من مغلوبية أهل الكتاب وضعفهم؛ إذ { هم } أي : الروم { من بعد غلبهم } ومغلوبيتهم من الفرس { سيغلبون } [الروم: 3] ويصيرون غالبين عليهم ، آخذين انتقامهم عنهم على أبلغ وجه وأشده لأبعد مدة مديدة، وأمد بعيد.

Неизвестная страница