عبدِ اللَّهِ (إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: أعطني قميصَك أكفِّنْهُ فيهِ، فأعطاهُ. متفقٌ عليهِ).
هوَ دليلٌ على شرعيةِ التكفينِ في القميص كما سلفَ قريبًا، وظاهرُ هذهِ الروايةِ أنهُ طلبَ القميصَ منهُ ﷺ قبلَ التكفينِ، إلّا أنهُ قد عارضَها ما عندَ البخاريِّ (^١) من حديثِ جابرٍ: "أنهُ ﷺ أتَى عبدَ اللَّهِ بن أبيِّ بعدَ ما دفنَ فأخرجَهُ فنفثَ فيهِ من ريقهِ، وألبسَه قميصَه"؛ فإنهُ صريحٌ أنهُ كانَ الإعطاءُ والإلباسُ بعدَ الدفنِ.
وحديثُ ابن عمرَ يخالفُه، وجُمِعَ بينَهما بأنَّ المرادَ مِنْ قولهِ في حديثِ ابن عمرَ فأعطاهُ أي: أنعمَ لهُ بذلكَ فأطلقَ على العدةِ اسمُ العطيةِ مجازًا لتحقّقِ وقوعِها، وكذا قولُه في حديثِ جابرٍ: "بعدَ ما دفنَ" أي: دُلِّيَ في حفرتهِ، أوْ أن المرادَ من حديثِ جابرٍ أن الواقعَ بعدَ إخراجهِ من حفرتهِ هوَ النفثُ، وأمّا القميصُ فقد كانَ أُلبسَ والجمعُ بينَهما لا يدلُّ على وقوعِهما معًا؛ لأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيبَ ولا المعيَّةَ، فلعلَّهُ أرادَ أنْ يذكرَ ما وقعَ في الجملةِ من إكرامهِ ﷺ من غيرِ إرادةِ الترتيبِ، وقيلَ: إنّه ﷺ أعطاهُ أحدَ قميصَيْه أولًا، [ثم] (^٢) لما دفنَ أعطاهُ الثاني بسؤالِ ولدِهِ.
وفي "الإكليلِ" للحاكمِ (^٣) ما يؤيّدُ ذلكَ، واعلمْ أنهُ إنَّما أعطيَ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن أُبيٍّ لأنهُ كانَ رجلًا صالحًا، ولأنه سألهُ ذلكَ وكانَ لا يردُّ سائلًا، وإلَّا فإنَّ أباهُ الذي ألبسَه قميصَهُ ﷺ وكفّنَ فيهِ من أعظم المنافقينَ، وماتَ على نفاقهِ، وأنزلَ اللَّهُ فيهِ: ﴿وَلَا تصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبدًا﴾ (^٤)، وقيلَ: إنَّما كساهُ ﷺ قميصَه لأنَّه [كان] (^٥) كسا العباسَ لما أسر ببدرٍ، فأرادَ ﷺ أن يكافئَه.
يُسن التكفين في الثياب البيض
١٥/ ٥١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْبِسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦). [صحيح]
(^١) في "صحيحه" (٣/ ١٣٨ رقم ١٢٧٠).
(^٢) في (ب): "و".
(^٣) ذكر ذلك الحافظ في "الفتح" (٣/ ١٣٩).
(^٤) سورة التوبة: الآية ٨٤.
(^٥) زيادة من (ب).
(^٦) أحمد (٥/ ٣٤٢٨ رقم ٣٤٢٦ - شاكر)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)،=