358

قال الله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا}[البقرة:200] كانت العرب إذا فرغوا من حجهم ذكروا مفاخر آبائهم، قيل: كانوا إذا فرغوا من إراقة الدماء بمنى قام الرجل منهم فقال: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة كبير القدر، كثير المال فأعطني مثل ما أعطيت أبي، وقال آخر: اللهم إن أبي كان يكرم الضيف، ويضرب بالسيف إلى نحو ذلك ليس يذكرون الله تعالى، وإنما يذكرون آباءهم، فقال الله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} حجكم وما أمرتم به، {فاذكروا الله} بالتوحيد، والتحميد، والتمجيد {كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} لما له عليكم من النعم ولا تنسوا المنعم في الأحوال كلها فإن كل نعمة منه تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}[النحل:53] كما لم تنسوء آباءكم {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا}[البقرة:200] كانوا يسألون المال والإبل والغنم، واسقنا المطر، وأعطنا على عدونا الظفر، ولا يسألون حظا من الآخرة؛ لأنهم كانوا غير مؤمنين بها، وذلك قوله تعالى: {وما له في الآخرة من خلاق}[البقرة:200] ومنهم من يقول:{ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}[البقرة:201] فهؤلاء المسلمون كأنوا يسألون الحظ في الدنيا والآخرة، قيل: الحسنات في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وقال علي عليه السلام: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الجنة، يعضده (خبر) وهو ما روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أوتي في الدنيا قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه وآخرته فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة ووقي عذاب النار)).

فصل في بيان الذكر

الذكر الصلاة والدعاء، وفي الحديث كانت الأنبياء عليهم السلام إذا حزبهم أمر فزعوا إلى الذكر أي إلى الصلاة، حزبهم أي: أصابهم -بالحاء غير معجمة والزاي والباء معجمة بواحدة من أسفل- والذكر العلم، وكل كتاب أنزله الله فهو ذكر، قال الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر} أي: القرآن، وقال: {من بعد الذكر} أي: من بعد التوراة، والذكر: الشرف، قال الله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك}[الزخرف:44]، وقال تعالى: {كتابا فيه ذكركم}[الأنيباء:10] أي: شرفكم، وقيل: ذكركم بما توعدون، وقوله تعالى: {اذكروا نعمة الله عليكم} أي: احفظوها ولا تضيعوا شكرها كما يقول الرجل لصاحبه: أذكر حقي عليك، أي احفظه ولا تضيعه، ويقال: ذكر الشيء بلسانه وقلبه ذكرا، وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع أن يقال في قوله تعالى: {فاذكروا الله} يعني بقلوبكم وألسنتكم، فبقلوبكم اعتقاد ما يلزم من توحيده وتعظيمه بجميع ما يستحقه، وبألسنتكم إظهار تعظيمه وتوحيده أبلغ مما تذكرون آباءكم وأتم وأكمل، عدنا إلى ما كنا نريد تمامه.

فصل في تكبير أيام العشر

قال الله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات}[الحج:28].

قال علي عليه السلام: الأيام المعلومات: أيام العشر، فاقتضى الظاهر فعل التكبير فيها ولا خلاف أنه ليس بواجب في جميعها فبقي مستحبا لئلا يبطل فائدة الخطاب.

(خبر) وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى رافعا صوته بالتكبير.

Страница 360