333

قال المؤيد بالله: والأقرب عندي أنها العصر، وروي ذلك أيضا عن علي عليه السلام وأبي هريرة، وابن مسعود، وإليه ذهب المنصور بالله، وجه هذا القول ما روت حفصة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر)) وسئل علي عليه السلام عن الصلاة الوسطى؟ فقال: كنا نرى الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم الخندق: ((شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وأجوافهم نارا)) وقال قوم: هي صلاة الفجر، ورووا ذلك عن علي عليه السلام وابن عباس ومعاذ؛ لأنها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى:{وقوموا لله قانتين}[البقرة:238] فقرنها بالقنوت ولا قنوت إلا في الصبح؛ ولأن صلاة الصبح تأتي في وقت والناس في أطيب نوم فخص ذلك الوقت حتى لا يتغافل عنها الناس، ويرد على هذا القول أن ذكر القنوت لا حجة فيه؛ لأن القنوت يذكر ويراد به غير ما أشاروا إليه فمنه بمعنى الطاعة، قال تعالى: {كل له قانتون}[الروم:26] أي ميطعون، ومعنى الطاعة بهذا المعنى أن كل من في السماوات والأرض مخلوقون كما أراد الله تعالى لا يقدر أحد على تغير الخلقة فآثار الصنعة دالة على أن الطاعة أعلى طاعة الإرادة والمشيئة، وليست طاعة العبادة، ومنه بمعنى الطاعة حقيقة، قال تعالى: {كان أمة قانتا لله}[النحل:120] يعني ميطعا، وقال تعالى: {اقنتي لربك} أي أعبديه، وقيل: أي صلي، وفي الحديث: ((كمثل الصائم القانت)) ومنه قوله تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما} [الزمر:9]، وقال:{ومن يقنت منكن لله ورسوله}[الأحزاب:31] أي يقيم على الطاعة، ومنه قوله تعالى: {فالصالحات قانتات} أي: قائمات بحقوق أزواجهن، وقيل: مصليات ومنه أي القنوت بمعنى القيام، ومنه القنوت بمعنى الدعاء، وفي الحديث أنه قنت شهرا أي أقام يدعو ومنه قنوت الفجر والوتر، قيل: وأصله القيام، ومنه القنوت بمعنى الخشوع، وقيل: هو ينقسم إلى أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكون، روي عن زيد بن أرقم أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت الآية: {وقوموا لله قانتين} فأمسكنا عن الكلام، وفي الحديث: أفضل الصلاة القنوت، وقال قوم: هي صلاة المغرب وهو قول ابن عباس وجابر وغيرهما، وقال قوم: هي صلاة العشاء؛ لأنها بين صلاتين لا يقصران فهي الوسطى بينهما، واعلم أيها المسترشد أنها من الصلوات الخمس في عموم لفظها بإجماع الأمة، ولها خاصة الإفراد بالذكر، وإنما سميت وسطى تفخيما لأمرها ، وإشادة لذكرها، وحثا على فعلها لعظم أجرها، والوسط هم الخيار، قال الشاعر:

Страница 335