وكان كثيرا ما يردد أنه يخشى أن يظلم بعض ولاته أحدا من الرعية ولا يستطيع المظلوم أن يرفع إليه شكاته، وكان يؤمن بأن أي ظلم يقع من ولاته ثم لا يجد هو في إصلاحه فهو الظالم.
وكان كثيرا ما يقول للرعية إذا رآهم في المدينة أو في موسم الحج: إني لم أرسل عمالي عليكم ليظلموكم أو يضربوا أبشاركم، وإنما أرسلتهم ليعلموكم دينكم ويقسموا فيئكم بينكم، وكان لا يمل التشديد على ولاته في إنصاف الرعية والرفق بالذميين وحمايتهم من كل ما يسوءهم.
وكان شديد الحرص على صيانة مال المسلمين يصونه من نفسه أولا فلا يأخذ منه إلا قوته وقوت أهله وكسوته حلة في الشتاء وحلة في القيظ، ويصونه من عماله فيراقبهم في إنفاق المال أشد المراقبة وأضيقها، وقد رأيت ما فعله بخالد بن الوليد، والقاعدة التي وضعها لنفسه ، فكان لا يولي عاملا إلا كتب ماله قبل أن يذهب إلى مصره، فإذا عاد معزولا حاسبه، فإن وجد في ماله زيادة غير مقبولة قاسمه ماله. وقد رأيت أنه قاسم سعد بن أبي وقاص حين عزله عن الكوفة، وقاسم أبا هريرة حين عزله عن البحرين، وقاسم غيرهما من ولاته الذين لم يرض عن كسبهم وسيرتهم في المال.
وإذا كان عمر قد عرف بالعدل وضرب به المثل فيه، فإن هذا العدل ليس إلا مظهرا من مظاهر خوفه من الله، وإحضاره نفسه حساب الله عز وجل، وتحرجه من أن يصنع أشياء، لا لشيء إلا لأنه يكره أن يسأله الله عنها يوم القيامة، فلم يكن عمر مثلا في العدل وحده، وإنما كان مثلا في رعاية الدين في جميع أمره صغيره وكبيره.
ومن أجل هذا هابه الناس، حتى يقال بعد وفاته: لدرة عمر أهيب من سيفكم!
19
وقد حج عمر سنة ثلاث وعشرين، كما كان يفعل خلافته كلها، إلا السنة التي استخلف فيها؛ فإنه ولى عبد الرحمن بن عوف أمر الحج ذلك العام، وقد أخرج معه للحج أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم ، ويقال: إنه بعد أن صدر عن الحج جمع في مكان خارج مكة كومة من الحصى، ثم استلقى ووضع رأسه على ذلك الحصى وشبك بين رجليه، وقال: اللهم كبرت سني، ورق عظمي، وخشيت الانتشار من رعيتي؛ فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.
فلما بلغ المدينة لقيه ذات يوم غلام أعجمي للمغيرة بن شعبة، يقال له فيروز ويكنى بأبي لؤلؤة، وكان من سبي نهاوند، فقال له الغلام: إن سيدي المغيرة يفرض علي ضريبة لا أطيقها. قال عمر: كم يفرض عليك؟ قال الغلام: أربعة دراهم في كل يوم. قال عمر: وماذا تعمل؟ قال الغلام: أنا نجار، حداد، نقاش. قال عمر: ما خراجك بكثير.
فانصرف الغلام مغضبا، ولقيه عمر مرة أخرى وهو في نفر من أصحابه، فدعاه وقال له: بلغني أنك تقول: إنك تستطيع أن تصنع رحى تطحن بالريح! قال الغلام: نعم. قال عمر: فاعمل لنا رحى . قال الغلام: لأعملن لك رحى يتحدث بها أهل الأمصار. فلما انصرف الغلام قال عمر لمن كان معه: أوعدني العبد آنفا. أو قال له بعض من كان معه: أوعدك الغلام آنفا يا أمير المؤمنين.
Неизвестная страница