وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، كالسكوت عن منكر، والإغضاء عن باطل، والقعود عن نصرة ضعيف ونجدة مظلوم وغير هذه مما يخل بنظام الجماعة، ولا يتمثل منكرا مجسما ظاهرا ولا تحده القوانين ... وهلم جرا؟
أم الإثم الظاهر أعمال الجوارح، والباطن مكنونات الصدور وخفايا السرائر مما يكنه الإنسان ولا يبوح به، وهو لا ريب مفسد نفسه مخل بصلاحه في خاصة أمره وفي أمور الجماعة.
خاطرات مرت بي وأنا أقرأ هذه الآية فقلت: كل هذا يراد، وجميع هؤلاء يعني، علينا أن نترك ظاهر الإثم وباطنه وما ظهر من الفواحش وما بطن على كل هذه المعاني، وإنها لمتواصلة يفضي بعضها إلى بعض. فلا تطهر النفس حتى يروضها الإنسان على ترك الإثم البين الذي يدركه الخاصة والعامة، والآثام التي تخفى مسالكها على بعض الناس، وحتى يترك الإثم في نفسه كما تكف عنه جوارحه، فيوافق ظاهره باطنه وعلانيته سره.
الجمعة 4 ذي القعدة/18 أغسطس
حزم لو قتلته وحييت!
قرأت في كتاب أدبي أن عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد الأشدق الأموي، وكان قد أمنه. ثم سأل أحد أصحابه ماذا ترى فيما فعلت؟ قال: حزم لو قتلته وحييت! قال: أولست بحي؟! قال: حياة من لا يوثق له بعهد ولا عقد.
قرأت هذه الكلمة ومضيت لم أبلغ غورها، ولا قدرتها قدرها. وكرت سنون، وتوالت أحداث، وزاد إدراكي الحقائق، وتأملي في أنفس الآحاد والجماعات، وتعرف ما يقومها ويقويها ويديمها. فعرفت أن الإنسان بقوة نفسه وعزتها، وأن قوة النفس والعزة باعتصامها بعقيدة، واتخاذها في الحياة طريقة، وثباتها بعقيدتها واستقامتها على طريقتها في الخطوب الشداد، والمحن السود.
وعرفت أن قوام الجماعة بهذه العقائد في آحادها، وهذه الاستقامة والثبات في أفرادها، وأن الحياة في الواحد والجماعة بغير هذه اضطراب ونفار، وصدام وقتال، وتخاذل وتنابذ، فهي ليست حياة حقا، ولا هي إنسانية صدقا. فقدرت حينئذ العهود قدرها، وعرفت للعقود خطرها. وقرأت ما في القرآن من آيات الوفاء بالعقود ورعاية العهود؛ ففهمت ما لم أفهم قبلا، وفقهت ما لم أفقه بدءا. واستقبلت كل كلمة في الوفاء والجوار، وكل قول في الغدر ونقض الذمة وكل شعر يشيد بالوفاء فخارا، وبالغدر سبة وعارا بمعنى جديد، وفقه مستأنف. وتذكرت حينئذ قصة عبد الملك وعمرو بن سعيد وذلك الحكيم الذي قال للخليفة: حزم لو قتلته وحييت! فقلت: صدق ثم صدق ... إن حياة من لا يوثق له بعهد ولا عقد، ليست إلا موت الإنسانية في صاحبها.
السبت 5 ذي القعدة/19 أغسطس
إذا لم تستح فاصنع ما شئت
Неизвестная страница