فأظهرت سالمة الاهتمام وقالت: «في الحقيقة إن الخطأ الأكبر من الدوق أود، فقد أضاع استقلاله وجر البلاء على الكنيسة وما الذي يظنه مولاي الرئيس في هؤلاء العرب؟»
قال: «هم أعداؤنا وأعداء ديننا!»
فابتسمت بلطف وقالت: «اسمح لي يا حضرة الرئيس المحترم أن أعترض على هذه التهمة هل رأيت العرب أو عاشرتهم؟»
قال: «كلا ولكنني سمعت عنهم شيئا كثيرا سمعت أنهم يعبدون الأصنام وأنهم إذا نزلوا بلدا نهبوا كنائسه وسبوا نساءه وخربوا منازل أهله.»
قالت: «ألا تصدق امرأة عاشرتهم أعواما؟»
قال: «هل عاشرتهم كثيرا؟ وأين؟ وما هي علاقتك بهم وأنت من أهل هذه البلاد على ما يظهر؟»
قالت: «فليسمح لي مولاي أن أجيب على أسئلته بما في استطاعتي لقد عاشرت هؤلاء العرب أعواما فظهر لي أنهم أهل ديانة مثل ديانتنا، يعبدون الله مثلنا وهم أهل رفق وعدل، يوفون بالعهود ويحافظون على المواثيق، وقد فتحوا بلاد الإسبان ومعظم أكيتانيا ولم يظهر منهم إلا العدل والرفق، ترى النصارى في إسبانيا وفي بوردو وبواتيه وغيرها من البلاد التي فتحوها متمتعين بحريتهم الدينية، لا خوف على كنائسهم، ولا على أموالهم، ولا على شيء مما يملكون، ولا يخلو أن يطمع أحدهم في نهب أو سلب فإذا لم يكن محقا فإنه ينال جزاءه من أميره.» ثم قصت عليه حكاية كنيسة بوردو وبذلت جهدها في تنميق العبارة وبسطها لعلمها أنها إذا أقنعت رئيس دير القديس مرتين هان عليها إقناع أسقف تورس، وإذا هم لم يساعدوا العرب كفاها ألا يساعدوا الإفرنج.
الفصل الثالث والستون
الرهينة
وكان الرئيس يسمع كلامها ويتفرس في وجهها ويستطلع حقيقتها، فلم تسعفه الفراسة إلا قليلا وظل مستغربا غيرة هذه المرأة على العرب وهي غير عربية ولكنه استحسن امتداحها العرب خصوصا وهو على تلك الحال، فتوهم أن مجيء هذه المرأة أثناء نفوره من شارل وخوفه منه لا يخلو من عناية خاصة روحانية، فمال إلى موافقة سالمة في رأيها ولكنه أعظم أن ينصاع إليها في سهولة، وأراد من ناحية أخرى أن يحافظ على غيرته الدينية لعلمه أن انحيازه إلى العرب - إذا لم يكونوا كما وصفت - يغير مستقبل النصرانية في تلك البلاد ويقلب الأحوال رأسا على عقب، وكان يرجو رجوع شارل عن مطالبه، فإذا رجع لم يبق ثمة داع لعدوله عن نصرته، فظل مدة مطرقا وهو يعبث بأطراف لحيته بين أنامله، ثم التفت إلى سالمة وقال لها: «إني شاكر لسعيك، وأرجو أن تمهليني ريثما أفكر وأستخير الله وأعمل بإلهامه جلت قدرته.»
Неизвестная страница