Шарх Кафия
شرح الكافية الشافية
Редактор
عبد المنعم أحمد هريدي
Издатель
جامعة أم القرى مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية مكة المكرمة
Издание
الأولى
Год публикации
١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م
تقديم:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد سعدت كثيرًا حين شرفني "مركز البحث العلمي، وتحقيق التراث" بجامعة أم القرى في مكة المكرمة بتحقيق كتاب "شرح الكافية الشافية" للإمام جمال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك، ذلك أن صحبتي لابن مالك ولمؤلفاته قديمة، ووثيقة.
فمؤلفات ابن مالك تعرفت عليها في سن مبكرة، وبالتحديد منذ بدأت حياتي العلمية حين كان حفظ الألفية، وغيرها من المتون -بجواز القرآن الكريم- عدة لا غنى عنها لطالب العلم.
وتعرفت على الشيخ حين بدأت دراساتي العليا، واتخذت من حياته وآثاره مجالًا لبحث حصلت به على درجة الماجستير.
وكان من بين الفصول التي تضمنها هذا البحث: الأصول التي بنى عليها ابن مالك آراءه النحوية، والموازنة بين آرائه في مختلف مؤلفاته.
1 / 5
واقتضى هذا -بطبيعة الحال- أن تكون تحت بصري، وبين يدي نسخ من مؤلفات الشيخ -وقد كانت في الغالب حينذاك مخطوطات- فسعيت إليها في مواقعها أنسخ منها بقلمي صورًا أحتفظ بها، وأقلب النظر بين صفحاتها من وقت لآخر.
وكلما مرت الليالي زادتني من ابن مالك قربًا، ولمصنفاته حبًا، فعقدت العزم على الإسهام في إحياء تراثه بالقدر الذي أستطيع.
فبدأت بمقدمته "عمدة الحافظ وعدة اللافظ" وشرحها فنشرتهما محققين (١).
وهأنذا أواصل المسيرة بتحقيق أرجوزته "الكافية الشافية" وشرحها.
والحق أن "الكافية الشافية" أرجوزة سهلة ميسرة، قل أن تسمح بمثلها القرائح، أو تطمح إلى النسخ على منوالها المطامح، فقد جمع فيها ناظمها مسائل النحو والصرف، وبسطها، ورتب الأبواب، وضبطها فغدت كما قال:
. . . . . . . . . . . مستوفية ... عن أكثر المصنفات مغنية
تكون للمبتدئين تبصرة ... وتظفر الذي انتهى بالتذكرة
أما شرحها، فقد التزم فيه المصنف ﵀ منهجًا ارتضاه لنفسه، وأعلنه في المقدمة حين قال:
"سألني بعض الألباء، المعتنين بحقائق الأنباء أن أتلو "الكافية الشافية" بشرح تخف معه المئونة، وتحف به المعونة، ويكون به الغناء مضمونًا، والعناء مأمونًا. فأجبت دعوته".
(١) دار الفكر العربي بالقاهرة.
1 / 6
لذلك أقتصر في هذا الشرح على جلاء الغامض، وتيسير العسير، وضم المشتت وتقريب البعيد.
وهو إذا تحدث في موضوع ما تحدث حديثًا شاملًا، واستقصاه استقصاء كاملًا في تنسيق رائع، وأسلوب بديع مع دعم كلامه بما يحتاج إليه المقام من دليل وشاهد.
وبهذا صارت "الكافية الشافية" مع شرحها عنوانًا على عظمة ابن مالك، واقتداره وسعة إطلاعه.
وهناك أمر آخر يزيد من مكانه هذا الشرح، ذلك أن ما جاء في الألفية:
أحصي من الكافية الخلاصة .... . . . . . . . . . .
كما قال الناظم في الألفية.
وإذا كان ذلك كذلك كانت "الكافية الشافية" قد تضمنت ما في الألفين وزيادة.
وإذا كانت "الكافية الشافية" متضمنة ما في الألفية وزيادة، كان "شرح الكافية الشافية" شرحًا وافيًا للألفية بقلم ناظمها.
وبهذا ندرك السر في إهمال ابن مالك تأليف كتاب في شرح الألفية مخالفًا بذلك منهجه المعهود في التأليف، حيث كان يبدأ بالمصنفات الموجزة ثم يبسطها، وبالأراجيز ثم يشرحها.
كما يتضح السر في اعتماد كل شراح الألفية -بلا استثناء- على ما جاء في "شرح الكافية الشافية" لابن مالك.
ولقد حرصت في تحقيقي لهذا الكتاب أن أضع بين يدي القارئ الأصل الكامل لهذا الكتاب مضبوطًا، مقتصدًا في التعليق،
1 / 7
مقتصرًا على ما يحتاج إليه المقام دون إسراف أو حشو.
وسرت في التحقيق على النحو التالي:
١ - مقابلة النسخ المختلفة، والتنبيه في الحاشية على اختلاف النصوص.
٢ - ضبط الآيات القرآنية الواردة في الكتاب، وبيان مواضعها في الكتاب العزيز.
٣ - تتبع القراءات التي أشار إليها المصنف بالرجوع إلى كتب القراءات للتأكد منها، ومن صحة نسبتها إلى قائلها.
ومن الحق التنويه بدقة المصنف في استدلاله بالقراءات، ودقة نسبة القراءة -إذا نسبها- لصاحبها.
كما تجدر الإشارة إلى أن المصنف في استشهاده بآيات القرآن الكريم، كان يعتد بالقراءات المختلفة من غير تفريق بين قارئ وآخر.
٤ - ضبط الأحاديث النبوية، وبيان مواقعها في الكتب الصحاح.
٥ - ضبط الشواهد الشعرية ونسبتها إلى قائليها، وكشف الستار عن معاني الكلمات التي يكتنفها غموض، وبيان البحور الشعرية للأبيات.
واستكمالًا للفائدة ذيلت حديثي عن كل بيت بيان بعض المراجع، التي اعتمدت عليها. وكثيرًا ما كان يغفل المصنف ذكر قائل الشاهد، وكان اهتمامه بنسبة الشواهد لقائليها يزداد إذا استشهد بها لتأكيد رأيه في مسألة خلافية.
٦ - تحقيق النصوص التي اقتبسها المصنف، وذلك بالرجوع إلى مصادرها.
1 / 8
٧ - تحقيق الآراء التي نسبها المصنف لبعض العلماء، وذلك بالرجوع إلى ما حفظه الزمان من مؤلفاتهم، أو بالرجوع إلى ما كتبه السابقون الأولون عنهم.
٨ - ضبط الكلمات التي أوردها المصنف في معرض التمثيل للقواعد أو الضيغ، وتفسير معناها، إذا كان لفظها يحتاج إلى ضبط، ومعناها يفتقر إلى تفسير.
٩ - التعريف بالعلماء الذين ورد ذكرهم في ثنايا الكتاب.
هذا وقد قدمت للكتاب بمقدمة موجزة تحدثت فيها عن المؤلف، وعصره ثم عرفت بأرجوزة "الكافية الشافية" ووازنت بينها وبين "الدرة الألفية" لابن معط. وتلوت ذلك بالحديث عن "شرح الكافية الشافية"، وزمن تأليفه، وبينت بعض السمات البارزة فيه، وتحدثت بعد ذلك عن شخصية المؤلف في الكتاب، وعن بعض الأصول التي بنى عليها لامؤلف آراءه فيه.
ولقد رأيت في الكتاب أمورًا تثير الانتباه، فنبهت عليها.
وختمت المقدمة بالحديث عن النسخ التي اعتمدت عليها في التحقيق.
أما عن المصادر التي اعتمدت عليها فهي كثيرة ومتعددة. وإذا كان منها ما تيسرت لي سبل الحصول عليه، فإن منها ما هو عزيز ونادر، وطريق الوصول إليه صعب عسير، كما هو الحال في المخطوطات والمصورات، والمراجع التي نفدت طبعاتها.
وبعد:
فإنه لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الوفر الجزيل إلى جميع
1 / 9
العاملين في مركز البحث العلمي، وإحياء التراث بمكة المكرمة وعلى رأسهم سعادة الدكتور ناصر الرشيد.
فجزى الله الجميع خير الجزاء، وجعل عملي هذا مفتتحًا بخلوص النية مختتمًا بحصول الأمنية، التي نسعى إليها وهي خدمة اللغة العربية وأبنائها.
والله المستعان.
وكتبه:
د/ عبد المنعم أحمد هريدي
الأستاذ المشارك في معهد اللغة العربية
جامعة أم القرى
1 / 10
المقدمة:
تعريف بالمؤلف:
لم تعن أسرة ابن مالك بتسجيل اليوم الذي ولد فيه طفلها، فظل هذا اليوم مجهولًا إلى الآن لدى مؤرخيه، وسوف يظل كذلك إلى الأبد.
ويبدو أن الأسرة التي انحدر منها المصنف لم تكن تطمع في جاه، ولم يكن لها أساس من مجد.
فلم يعرف التاريخ عن آبائه شيئًا، ولم يرد من النصوص ما يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد، فالصمت مطبق حول أسرته.
ويظهر أن الشيخ كان يعرف ذلك. يعرف أنه نشأ في أسرة رقيقة الحال، فلم يشر إليها، أو يتحدث عنها.
ومن يدري. لعله لم يكن يجد من الحوادث المتعلقة بها ما يستحق الذكر، أو كان يجده، ولكن يؤلمه الحدث فيها.
وسكوت ابن مالك عن الحديث عن نفسه، وإمساكه عن الإشارة إلى ماضيه، وصمته عن كل ما يتصل بأهله، وعشيرته أعطى الفرصة السانحة للمؤرخين، فأهملوا الحديث عما يتعلق بذلك.
فقد درج المؤرخون في العصور القديمة والوسطى، وشطر من
1 / 11
العصور الحديثة على التأريخ للملوك، وأصحاب الجاه والسلطان، حتى كاد التاريخ في تلك الأيام يقتصر على الحكام والأعيان.
فإذا ما ولد طفل في قصر اهتم به المؤرخون منذ مولده -بل ربما قبل مولده- وأفاضوا في نسبه وحسبه، وعظيم مواهبه.
أما إذا كان مغمورًا، فإن إنسانًا واحدًا لا يكاد يشعر بقدومه، ولم يتعرض له كاتب أو مؤرخ.
فإذا أصاب من الدنيا نصيبًا حاول المؤرخون عندئذ سد الثغرة التي أحاطت بنشأته، فإذا أعوزتهم الحقائق لجئوا إلى نسج الخيال والأساطير.
وإن الناظر في كتب التاريخ في تلك العصور ليأخذه العجب حتى يرى معظمها ينصب على "وفيات الأعيان" و"تاريخ الملوك" أما الشعوب، أما عامة الناس فليس لهم فيها نصيب، وليس فيهم من يهم المؤرخ، أو يعني الكاتب، وإن وجد من المؤرخين في تلك الحقبة من يتعرض لواحد من المواطنين، فإنما يكون ذلك تلميحًا بقدر ما يحتاج إليه الموضوع الذي يتحدث فيه.
ولم يتورع بعض المؤرخين عن الجهر بذلك.
وها هوذا أبو المحاسن يقول في معرض حديثه عن أحد الأفراد (١):
"وقد أضربنا عن شرح ما حدث له؛ لأنه لم يكن من أعيان الناس لتشكر أفعاله أو تذم".
وأغلب الظن أن ابن مالك حرم في طفولته من كل عطف
(١) بدائع الزهور ٢/ ٢٤٤.
1 / 12
وحنان بل ربما كانت طفولته طفولة معذبة، منعه الحياء من الخوض فيها باللسان، أو بالقلم، فاكتفى بالصمت الذي هو أبلغ من كل بيان.
ورب ضارة نافعة، فالراجح أن هذا الحرمان كان السبب في التجاء الشيخ إلى الدرس، والتحصيل عله يجد في ذلك عوضًا عن بعض ما فاته.
ومهما يك من شيء فلا تكاد توجد وثيقة واحدة، أو مصدر مؤكد أو خبر عمن يوثق به يكشف شيئًا للباحث في طفولة هذا الرجل، أو علاقته بأسرته، أو صلاته بأخواته وإخواته -إن كان له إخوة أو أخوات- فجهل الناس كل ما يتصل بهؤلاء.
وليس من الحق الزعم بأن المصنف أمسك عن الحديث عن سيرة أحداده، وآبائه وإخوته وإخوانه، وأصداقاء طفولته وصباه، وعيشته في موطنه؛ لأنه ضرب من العبث واللغو لا يتفق مع ما شغل به من تحصيل للعلم، وخدمة لأهله.
فالرابطة الإنسانية رابطة عميقة الجذور، تجري في الدماء، وتتغلغل في النفوس، وهو أقرب الروابط إلى الإنسان، وأحبها إليه، وأعلقها بفؤاده.
وإذا كان ذلك كذلك فلا يمنع الإنسان عن الخوض فيها إلا أمر قاهر، ولن يكون العلم؛ لأن العلم أسمى من ذلك. فهو الذي يهذب النفوس، ويرهف العواطف فأولى به أن يقوي في الإنسان الشعور بالإنسانية، لا أن يجرده منها.
والذي يرجحه الباحث أن يكون ابن مالك نشأ وحيدًا لوالديه، وأن يكون افتقد أمه صغيرًا، وربما كان شأن أبيه شأن غيره من العرب
1 / 13
الأندلسيين في ذلك الوقت جنديًا في الجيش، الذي أعده الأمير أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف في مدينة جيان -مسقط رأس المصنف- لقتال الإدفنس سنة (٦٠٩) هـ في موقعة العقاب.
فقد روى صاحب المعجب أن "أمير المؤمنين خرج من أشبيلية سنة (٦٠٩) هـ، فسار حتى نزل "جيان" فأقام بها ينظر في أمره، ويعبئ عساكره، وخرج أمير المؤمنين من مدينة "جيان"، فالتقى هو والأدفنس بموضع يعرف بالعقاب بالقرب من حصن يدعى حصن سالم.
فعبأ الأدفنس جيوشه، ورتب أصحابه، ودهم المسلمين وهم على غير أهبة فانهزموا، وقتل خلق كثير.
وثبت أبو عبد الله -يقصد الأمير- في ذلك اليوم ثباتًا لم ير لملك قبله، ولولا ثباته لاستؤصلت تلك الجموع كلها قتلًا وأسرًا.
وكانت هذه الهزيمة الكبرى على المسلمين يوم الاثنين منتصف صفر سنة (٦٠٩) هـ (١).
من هنا يعلم أن الأمر كان شديدًا على أهل الأندلس عامة، وعلى أهل جيان خاصة في بدء حياة الشيخ.
ولا يستبعد أن يكون والده -وهو ذلك الرجل العربي المسلم، الذي يتمتع بما يتصف به العرب والمسلمون من شجاعة، وشهامة انخرط في سلك الجندية. جنديًا مرتزقًا أو متطوعًا، ثم ذهب ولم يعد، فقد كانت موقعة العقاب -كما بينا من المواقع الفاصلة في التاريخ، وكانت الهزيمة فيها منكرة.
(١) المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار أهل المغرب ص ٢١٥، وما بعدها.
1 / 14