شرح فتح المجيد للغنيمان
شرح فتح المجيد للغنيمان
Жанры
جناية الشرك تحجب المغفرة عن صاحبها
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فلهذه الأمور وغيرها أخبر ﷾ أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة، هذا معنى كلام ابن القيم ﵀].
الله تعالى كتب على نفسه الرحمة جل وعلا، وكتب أن رحمته تغلب غضبه، كما صح عن الرسول ﷺ: (إن الله كتب كتابًا فوضعه على العرش فهو عنده على عرشه: إن رحمتي تسبق غضبي)، فرحمته أسبق من غضبه، ورحمته أخبر أنها وسعت كل شيء، ولكن المشرك خرج منها، فالمشرك إذا مات على الشرك فهو خارج من أن تناله رحمة الله جل وعلا، وهذا ليس من باب العقل، وليس من باب الفطرة، بل هو من باب الخبر عن الله جل وعلا، إخبار الله جل وعلا وحكمه، خبر حكم به على من أشرك به أنه لا يغفره، ثم كذلك الله جل وعلا أخبرنا أنه كما أنه غفور رحيم أخبرنا أنه شديد العقاب، فيجب على الإنسان ألا يتعبد لله من ناحية التعلق بالرجاء والرحمة، ويجب ألا ينسى أنَّ ربه شديد العقاب، فالله جل وعلا أخرج أبانا آدم من الجنة بذنب واحد وأهبط إلى الأرض، فيجوز أنه جل وعلا يدخل عبده النار بذنب واحد، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة أن الرسول ﷺ ذكر رجلين فيمن كان قبلنا أخوين في الله، وكان أحدهما مقصرًا والآخر مجتهدًا، وكان المجتهد كلما رأى أخاه على ذنب من الذنوب نصحه وزجره ونهاه شفقة عليه، وفي يوم من الأيام رآه على ذنب استعظمه، فقال: والله لا يغفر الله لك.
فقال الله جل وعلا: من هذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟! قد غفرت له وأحبطت عملك.
وفي رواية أنه قبضهما الله جل وعلا فأوقفهما بين يديه، فقال للقائل: أتستطيع أن تحجر رحمتي عن خلقي؟ فقال: لا يا رب.
فقال للمقصر: اذهب فادخل الجنة.
وقال لهذا المجتهد: اذهب إلى النار.
يقول أبو هريرة ﵁: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
وهذه الكلمة قالها غيرة وغضبًا لله جل وعلا وشفقة على هذا الإنسان، فاجتهد ولكنه اجتهاد خاطئ، فالإنسان قد يعمل عملًا يدخله الله جل وعلا به النار، وقد يكون كلمة، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا)، وفي حديث آخر: (يكتب الله عليه بها غضبه إلى يوم يلقاه)، فالله غضب عليه من أجل كلمة واحدة، وبالعكس، فقد يتكلم بكلمة من الخير يكتب له رضوان الله بها، ولهذا جاء أيضًا في الحديث (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)، فالإنسان يجب عليه أن يخاف دائمًا، ويجب عليه أن يحذر؛ لأنه عبد لله جل وعلا، وإذا العبد خالف سيده يوشك أن يأخذه ولا يبالي، والله جل وعلا يلقي في النار من يشاء من عباده بغير مبالاة؛ لأنه هو القهار المالك لكل شيء، مع أنه جل وعلا حكم عدل، ولكن لا أحد يستطيع أن يقوم بحقه كما ينبغي.
فالمقصود أن الإنسان يجب أن يكون حذرًا فلا يتساهل، وكون رحمة الله جل وعلا وسعت كل شيء فهو أخبرنا أنه يكتبها للمحسنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، وليست قريبة من المسيئين ومن العاصين ومن المشركين، والمشرك من أبعد خلق الله عن رحمة الله.
19 / 5