يجمع بينهما بمكة، لأن من يستقبل بيت المقدس بالمدينة تكون الكعبة على شماله، فأقام بها ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، على ما جاء في الروايات وهو يصلي إلى بيت المقدس خاصة، وهو مع ذلك يحب التوجه إلى الكعبة، فأوحى إليه ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) وذلك في شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة.
وقد روى المزني عن الشافعي ﵀ في ترتيب نزول الآيات في القبلة قال: أول ما نسخ من القرآن فيما ذُكر لنا -واللَّه أعلم- شأن القبلة، قال اللَّه ﷿ ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) فاستقبل رسول اللَّه ﷺ فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، فقال ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (٣) يعنون بيت المقدس، فنسخها وصرفه اللَّه إلى البيت العتيق، فقال ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤).
وهذا المعنى قد روي مرفوعًا عن ابن عباس (٥)، وقد روي أيضًا أن النبي ﷺ إنما كان أولًا بمكة يصلى إلى الكعبة، ثم أُمِرَ باستقبال بيت المقدس إلى رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة، ثم أُمِرَ بالعَوْدِ إلى استقبال الكعبة، وذلك قبل غزوة بدر بشهرين.
(١) البقرة: (١٤٤).
(٢) البقرة: (١١٥).
(٣) البقرة: (١٤٢).
(٤) البقرة: (١٥٠).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، والبيهقي في السنن الكبير (٢/ ١٢).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة.