Господин Президент

Махир Баттути d. 1450 AH
152

Господин Президент

السيد الرئيس

Жанры

وتراءت قرية ثم اختفت، قرية يبدو أنها مهجورة، مجموعة من المنازل محاطة بأوراق الذرة الجافة، متجمعة ما بين الكنيسة والمقبرة. وجال في خاطر ذي الوجه الملائكي: «كم أود أن يكون عندي الإيمان الذي شيد هذه الكنيسة في هذا المكان. الكنيسة والمقبرة، لم يكن باقيا حيا من القرية الآن سوى الإيمان والموتى!» وغشيت عينيه سعادة الهروب. بيد أن هذا البلد بربيعه المتثاقل هو بلده، هو حنانه، هو أمه، ومهما كانت الحياة الجديدة التي يبعثها فيه تركه هذه القرى وراءه، فإنه حين سيكون وسط أناس من بلدان أخرى، فسيكون دائما ميتا وسط أحياء، يتوالى خلف الحضور الخفي لهذه الأشجار وشواهد القبور.

وتتابعت محطة وراء أخرى. وجرى القطار بلا توقف، يصلصل فوق القضبان المتخلخلة. صفارة هنا، وصرير مكابح هناك، ووراء ذلك تل ترصعه حلقة من الدخان القذر. وأخذ الركاب يروحون بالقبعات والصحف والمناديل، مختنقين في الهواء الساخن الذي ترويه آلاف القطرات من عرقهم؛ كانوا يشعرون بالضيق من خشونة مقاعدهم، ومن الضجيج، ومن الطريقة التي تنخزهم بها ملابسهم كأنما ثمة حشرات تقفز بأقدامها على جلودهم، ورءوسهم تحرقهم كأنما لهم شعر حي؛ وكانوا عطشى كأنما هم تناولوا مطهرا للأمعاء، وحزانى كالموت ذاته.

وأتى الغسق في أعقاب ضوء النهار، واعتصرت السحب رذاذا من المطر، وبدأ الأفق الآن يتفسخ؛ وبعيدا بعيدا جدا التمعت علبة سردين صفيحية يحيط بها زيت أزرق.

ودخل أحد موظفي القطارات ليضيء مصابيح المقصورة. وسوى ذو الوجه الملائكي بنيقته وربطة عنقه ونظر في ساعته. كان من المتوقع أن يصلوا إلى الميناء في بحر عشرين دقيقة، بدت له قرنا على ضوء نفاد صبره وشوقه لأن يجد نفسه سليما معافى على ظهر السفينة. وألصق وجهه في زجاج النافذة محاولا أن يميز شيئا في الظلمة. كان ثمة رائحة خضروات. وسمع نهرا يجري. وسمع نفس الخرير بعد مسافة أخرى، ربما هو نفس النهر.

وأبطأ القطار من سيره وسط طرقات قرية صغيرة، معلقة كشبكات النوم في الظلام، ثم توقف شيئا فشيئا؛ وبعد أن هبط ركاب الدرجة الثانية يحملون رزمهم، مضى في سيره بخطى أبطأ تجاه أرصفة الميناء. بوسعه الآن أن يسمع تكسر الموجات ويميز الشكل الشاحب الطامس لمكتب الجمرك تعبق منه رائحة القار، وبوسعه أن يسمع الزفير النعسان لملايين المخلوقات العذبة المملوحة.

ولوح ذو الوجه الملائكي محييا من بعيد للرجل الذي كان في انتظاره على المحطة، لقد كان الميجور «فارفان». وشعر بالسرور إذ يلتقي في هذه اللحظة الحاسمة من حياته بصديق سبق له هو أن أنقذ حياته. وصاح به: «ميجور فارفان!»

وحياه «فارفان» من على مبعدة، ثم اقترب من النافذة وأخبره ألا يشغل نفسه بأمتعته، ذلك أن بعض الجنود سيحضرون لحملها إلى السفينة. وحين توقف القطار، صعد وصافح ذا الوجه الملائكي بحرارة. وغادر الركاب الآخرون القطار مسرعين. - حسنا، ما هي أحوالكم؟ - وأحوالك يا عزيزي الميجور؟ ولكن لا داعي للسؤال، فإني أرى من وجهك ... - لقد أبرق لي السيد الرئيس بأن أعتني بكم وأن أرى ألا ينقصكم شيء. - هذا كرم منك يا ميجور.

ولم يستغرق خروج الركاب من المقصورة سوى دقائق معدودات، وأطل «فارفان» برأسه من إحدى النوافذ وصاح: أين هم القادمون لحمل الحقائب أيها اللفتنانت؟ ما معنى هذا التأخير؟

ومع كلامه، ظهرت مجموعة من الجنود المسلحين عند الباب. ولم يدرك ذو الوجه الملائكي الشرك إلا بعد فوات الأوان.

قال «فارفان» ومسدسه في يده: إني أقبض عليك بأمر من السيد الرئيس. - ولكن أيها الميجور ... إذا كان الرئيس هذا مستحيل! تعال معي، تعال معي من فضلك ودعني أرسل برقية! - إن الأوامر التي لدي صريحة يا سيد ميغيل، وأفضل لك أن تأتي معي في هدوء! - كما تشاء، ولكن يجب ألا تفوتني السفينة. إني في مهمة.

Неизвестная страница