فسنحت لهمام خاطرة أن يجرب الرقابة داخل المنزل لعل هناك أحدا تحوم حوله شبهة ويصلح لاتجاه المظنة، ولما سأل أمينا عن النور في جناح سارة من أين كان مصدره في ذلك اليوم، علم أنه كان يصدر فيما بين الساعة السابعة والساعة الثامنة من الحجرة التي يعلم همام أنها حجرة النوم، وهي حجرة لا تأوي إليها سارة إلا لتنام، ولم تتعود أن تستقبل زوارها ولا أن تقرأ في غير حجرة الاستقبال، ولم تختل تلك الوتيرة سنوات كان همام يجاورها فيها ويلم بجميع عاداتها وحركاتها في منزلها، فلماذا تختل في ذلك الموعد من المساء؟ لماذا تختل القاعدة في الموعد الذي تكون فيه على انفراد بعد نوم الطفل وانصراف الخادمة؟
ربما كانت الرقابة داخل المنزل ألزم وأجدى من الرقابة خارجه ولو يوما من الأيام، وقد أدى أمين رسالته في هذه الرقابة الجديدة وخاب كما خاب في غيرها، لولا أن الخيبة هنا كانت مشفوعة بخطر الضرب المبرح والفضيحة الشنيعة، فما سلم منه إلا بأعجوبة من أعاجيب السياسة!
ذلك أنه ولج المنزل متسللا وصعد السلم متلكئا ليقرأ الأسماء التي على الأبواب، ولمحه فتى يهبط من أعلى المنزل فظن أنه يتلصص أو يتجسس، وليس التجسس ببدع في ذلك الحين.
فانتهره الفتى مزدريا، وناداه متأففا: مالك تتسكع على الأبواب يا هذا؟ ماذا تريد؟
ولم يكن أمين بالذي يتراجع إذا هوجم، ولا بالذي يلين إذا خوشن، وقد تملكه الربكة إذا خوطب في رفق وأدب واضطر إلى تدبير الجواب وتحضير المعاذير، فأما إذا قوبل بالتوقح والإهانة فلا ربكة ولا عناء ... إنما هي دقة بدقة وصيحة بصيحة، وصفعة بصفعة، إذا استطرد اللجاج إلى هذه النهاية.
فما حفل أمين بالفتى ولا زاد على أن نظر إليه متجهما متجعدا وقال: امض في سبيلك، فليس هذا من شأنك!
ولقد دهش الفتى والتفت إليه مذهولا وهو يتمتم: ليس من شأني كيف؟ إنني أسكن هنا ... إن في المنزل آلي وحرمي! يا لها من أعاجيب! يا لها من صفاقة!
ولكنه مع ذلك نزل، وسمعه أمين ينادي على البواب من أقصى الطريق ويقول له: أين أنت؟ وماذا عساك أن تصنع إذا كنت تسمح لهذا الجاسوس أن يقتحم البيت ويتسمع على الأبواب؟
جاسوس؟
لقد سلم أمين بفضل الجاسوسية والخوف من الجاسوسية، ومن ذا يضرب الجواسيس ووراءهم قوة الشرطة وقوة الدولة وكل قوة تخاف في تلك الأيام؟
Неизвестная страница