ثم عاد وفي يده كيس بلاستيكي سميك يحتوي على مجموعة من الشرائط المسجلة، وقد كتب على ورقة صغيرة ألصقت على كل منها بخط اليد اسم المنشد ومكان التسجيل ومناسبته. •••
في ظرف أشهر قليلة صار ياسين نفسه يقضي قسطا كبيرا من وقته باحثا وراء أشرطة المنشدين التي لم تكن متوفرة وقتذاك إلا من خلال تسجيلات شخصية لمريديهم، وعندما علم شاذلي بحضور الشيخ التوني لإحياء ليلة ضمن ليالي رمضان التي تقام في حضرة أبي العباس المرسي ومسجده المهيب المطل على بحر الأنفوشي؛ دعا ياسين لحضور تلك الليلة. ذهبا معا مستقلين ترام المدينة الأصفر العتيق الذي سار بهما من محطة الرمل في موازاة الكورنيش، حتى ألقى بهما إلى ذلك العالم الذي يفيض سحره ليغمر ما حوله على امتداد الأبصار. ليلتها داهم ياسين للمرة الأولى ذلك الشعور الذي ظل يلازمه بعدها كلما دخل إلى ذلك العالم أو اقترب منه، كلما أنصت إلى قصيدة صوفية، كلما تناهى إلى أذنه ذلك الإيقاع الكسول لموسيقى المديح، بل كلما مرت على أنفه روائح البخور والمسك. كانت أقل علامة تذكره بذلك العالم كفيلة بأن تعيد فتح مسام عقله وذاكرته إلى تلك الليلة في رحاب أبي العباس المرسي، تحت الأضواء المتراقصة، وبين الأجساد المتمايلة وجدا وعشقا، تحت رذاذ البحر المنعش الذي يحمل هواء الشتاء ذراته الخفيفة متخللا أبخرة المسك المتصاعدة من المباخر، بينما يغلف ذلك المشهد كله صوت ذكوري شجي وأجش ذو لكنة صعيدية تحمل شجنا واضحا يردد في عذوبة آسرة:
كل القلوب إلى الحبيب تميل
ومعي بذلك شاهد ودليل
أما الدليل إذا ذكرت محمدا
صارت دموع العاشقين تسيل
يا سيد الكونين يا علم الهدى
هذا المتيم في حماك نزيل
يا رب إني قد مدحت محمدا
فيه ثوابي وللمديح جزيل
Неизвестная страница