147

Сакаб Адаб

سكب الأدب على لامية العرب

Жанры

وهذا من دأب الكاملين الذين يجودون بأرواحهم خشية إن لايذكر عنهم دناءة ومذلة، وقد شاهدت مما يناسب المقام من رفعة اللئام، وانحطاط الكرام، وظهور الجور [74ظ] بدولته، واختفاء العدل بذلته، ما اتفق في بغداد عام السادس والسبعين، وهو أن الوزير الكبير والدستور المشير سليمان باشا رحمه الله لما اشتاق الى لقائه وقربه، طمع في بغداد كل وضيع، ورغب فيها كل ذي عيب فضيع، فمما اتفق أن رجلا من خدام مولانا المرحوم، من أقبح الناس اعتقادا، وأكثرهم ركونا إلي الرذائل واستنادا، يقال له: علي أغا (4)، وكان أعجميا فارسيا وكان المرحوم جاعله عاملا على الحسكة (5) ، يجبي خراجها، ويعمر فجاجها، فلما توفي المرحوم المبرور ضوعفت له الأجور، أرسل نجابا إلى حلب، واستنجد ببعض أكابرها، فأرسل كتبه إلى الدولة العلية - لا زالت على ممر الأيام محروسة محمية - تتضمن كتبه وصفه بالعدل والشجاعة الكاملة، والرأي والتدبير الصائب، حتى أن المرحوم كان يستنير برأيه، ويستشيره في كل المهمات، لحسن سيره في الكمال، وجريه - ومع هذا أقر للرجال بأموال عظيمة، ووعدهم بمواعيد جسيمة، ووعد بل أعطى من شهد له ثمة على صدق المقال، وانه لا يعرف الزور والمحال، ولم يدر إن شره كل يوم يزداد، وان عتوه وجوره قد جاوز الحد في الفساد، شعر (1): ... [من الخفيف]

فهو كالصل من بنات الأفاعي ... كلما طال عمره زاد شرا

فولوه بغداد، وقدمت عليه الرسل من الدولة يسرعون، وجاءه أهل البشائر من العشائر من كل حدب [73و] ينسلون، فاستعظم ذلك أهل بغداد، وأكثروا على المرحوم البكاء والتعداد؛ لعلمهم بأفعاله القبيحة الفضيعة، ومكائد جوره الشنيعة، فعزموا على عدم إدخاله بغداد، وأنهم يبقوه في الحسكة يقاسي الانكاد، ويرسلون إلى الدولة العلية يخبرونهم بأمره، ويغرونهم على من حسن عندهم سيرته بغدره ومكره، وانه عجمي لا يصلح للوزارة، ودني لا تناسبه هذه الإمارة، لكنهم لعظم إطاعتهم للدولة، وأنهم يمتثلون لمراسيمهم، وان ولو عليهم خارجا عن الملة، قالوا: لعله تحسن سيرته كما حسنت سيرة الخصيب (2) حين ولاه الرشيد مصر، وكان دنيء الأصل، وضيع القدر، فحسنت صفاته، وكرمت سماته، وقصده الشعراء من الأماكن القاصية، ووفد عليه الوفود من الأقطار النائية، حتى قصده أبو نواس مع من قصده من الشعراء، ومدحه وبالغ في الإطراء بقصيدة مطلعها: [من الكامل]

أنت الخصيب، وهذه مصر، ... فتشاكلا فكلاكما بحر (3)

Страница 234