Сафват ас-Сар

Заки Фахми d. 1350 AH
203

Сафват ас-Сар

صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر

Жанры

ولو قدر لك ورأيت صاحب الترجمة لرأيته رجلا حاضر الذهن، قوي الفكر رقيق الشعور، يخيل إليك أنك تقرأ في أسارير وجهه مكنون سريرته، وإنك لتجد منه استئناسا وبشرا ورقة خلابة، فإذا ما سايرته وبادلته الرأي وقارضته الحديث أيقنت ساعتئذ أنك في حضرة عظيم يضطرك إلى احترام رأيه، والتسليم به وأن تذهب معه المذهب الذي يريد وقد يبهرك بالحجة، ويبغتك بالبرهان فلا ترى وجها لمنازعة القول ولا تفارقه إلا وأنت مطمئن الرأي موفور الإقناع قوي الفكر، ذلك لأن للقوة عدوى سريعة الظهور فكل ما يجعلنا أقوياء في الرأي والروح والوجدان يزيد في قوتنا، ويفتح أمامنا أبواب العمل ويبسط قبالتنا ميدان الفعل ونحن بني الناس مدينين لكل قلب كبير، وعقل عبقري، ولسان عذب، وروح متقدة، ونحن لا نستمد شيئا من المجتمعات وإنما من تلك الأرواح الرقيقة، والقلوب الشريفة التي تخرجها لنا القوة الإلهية بين عديد ما يتخرج في كل يوم من تلك القوالب الإنسانية المعتادة، التي لا يفترق بعضها عن بعض إلا في أحجامها وأشكالها واختلاف تركيبها.

وإنك ليتبادر إليك في لغة حديثه إذ أنت جلست إليه معان جمة ما شئت من أدب وعلم وفضل واستمكان، وإن من الناس من يحاجك كأنك خصمه، فلا يزال يعطيك من صخبه وشدة جدله حتى تقوم من حضرته وأنت لحديثه كاره، ولكن الأناة والتؤدة والقول العذب اللين من شأن الرجل العظيم، وهذا ما نشعر به في حديث صاحب الترجمة وإنك لتصغي إلى قوله وهو يتدفق متدبرا متئدا، فيخيل إليك أنه يتناول من ذاكرة حافلة مترعة وليس بمرسل القول للعفو والساعة، وهذه خلة كانت ولا تزال نصيب راجحي العقول موفوري الحجى.

وقليني باشا بالإجمال عبارة عن حركة عمل لا تهمد، وشعلة من نار لا تخمد، فإنه بينما كان يدير جملة مصالح في آن واحد، نذكر منها مصلحة الدخوليات بمصر وإسكندرية وعموم مدن القطر المصري، كان يدير أيضا مصالح الملح والنطرون، ومصالح مصايد الأسماك بالنيل وفروعه وبالبحر الأبيض المتوسط، ومصلحة الملاحة من وابورات ودهبيات ومراكب وفلايك ومعادي، ونحو ذلك من كباري وأهوسة، ومصلحة الضربخانة ودمغة المصاغات، وقسم المستخدمين كان أيضا مديرا للإدارة العمومية ورئيسا لمجلس التأديب، وفي الوقت عينه كان عضوا بلجنة تعيين المستخدمين بالحكومة وبلجان عديدة أخرى، وفضلا عن سعيه المتواصل في إبطال جملة ضرائب كانت ثقيلة على النفس، فإن الإيرادات للمصالح التابعة إليه زادت 50٪ خمسين في المئة من ضبطه للأعمال ودوام يقظته، وعند استقالته من خدمة الحكومة لم يتبع سنة أرباب المعاشات من الانكماش عن العمل، كلا بل ظهر في ميدان العمل بحرية أكثر من قبل ونشاط فوق نشاطه المعتاد، حتى كان يتصور للإنسان أن وجوده في خدمة الحكومة كان مقيدا لحريته، وقد بث مبادئه ونشر معلوماته فاشتغل في نشر أفكاره على صفحات الجرائد بما يعود بالخدمة النافعة لمصلحة البلاد خصوصا بالمسائل الاقتصادية، فعرض جملة اقتراحات نافعة منها إنشاء بنك وطني رأس ماله يكون من ضريبة القطن حتى يكون أمره منه وإليه؛ ليحمي البلاد من الأزمات المالية التي وقعت فيها بسبب قفل البنوك الأجنبية في وجه العامة عند الاقتضاء والحاجة، ومنها اقتراح على الحكومة بسد ديون الأهالي وقيامها مقام البنوك العقارية حرصا على ثروة البلاد العقارية من ضياعها ووقوعها بين أيدي الأجانب، وكثير من المشروعات النافعة السديدة، ومن مبادئه التي اشتغل بها على الدوام حب الصلح والسلام، ودوام المسالمة بين العناصر، وخصوصا القبطي والمسلم حتى عده الخطباء والعقلاء برسول السلام عندما كان يسعى لإزالة الخلاف الذي تسبب بسبب المؤتمرين القبطي والمسلم، فهو القبطي الوحيد الذي لم يستحسن إقامة المؤتمر القبطي، حيث كان يرى أن ذاك يكون سببا لعداوة إخواننا المسلمين وقاموا عليه الأقباط وقتها، ولكنهم في النهاية قدروا رأيه السديد، وهو كثير الاهتمام بالشؤون العمومية غير مبال بما يطعن في حقه ما دام يحقق نفع عمله للمجموع، وله مواقف عديدة بالجمعية التشريعية تشهد له بعلو الهمة واستقلال الرأي مع سرعة الخاطر، وهو رجل حاد المزاج شريف العواطف مخلص وفي يميل لإنشاء دور العلوم والمعارف، يحب المطالعة ويحترم الرأي العام ويعظم قدر الجرائد النافعة المجردة عن الغاية والمصلحة الذاتية، وله ولع بتربية أولاد الفقراء والمساكين، ويزور مدارس الأيتام من حين لآخر، ويمدهم بالمساعدة، لطيف المعاشرة بشوش الوجه يسحرك بلطفه إذا تكلم، وتقوم من مجلسه وأنت مسرور الخاطر شاكرا ما لقيته من لطفه المتناهي وحديثه العذب، وولعه بنشر راية العلم، قد أوقف عشرين ألف متر لإقامة دائرة معارف عليها للبنين والبنات، وقدرت بعشرين ألف جنيه.

أما الآن وقد حررنا هذه المقدمة بإجمالية ما عرفناه عن صفات المترجم، فنأتي الآن على تاريخ حياته بالتفصيل فنقول:

مولده ونشأته

سطع كوكب ميلاده الوضاء في غضون سنة 1860م بنزلة والده يوسف بك عبد الشهيد، وهي قرية من قرى الصعيد في مديرية منية ابن خصيب (المنيا) تعرف قديما بنزية الفلاحين، وكان المرحوم والده شديد العناية بتربيته، ولما توسم فيه مخائل الفطنة ودلائل النجابة أدخله مدرسة الأقباط الكلية في مصر القاهرة، وكان يومئذ يناهز الثانية عشرة من العمر، فجاء في جملة فريق من إخوانه، ولبث مكبا على الدرس باذلا جهد استطاعته فيه.

أقام صاحب الترجمة في المدرسة وهو كلما انتهج سبيلا من سبل العلم استنفد وسعه في إتمام تحصيله، حتى أصبح مثلا سائرا على السنة الطالبين والمعلمين، فقرأ العربية على الشيخ محمد القنائي النحوي الشهير وأخذ الفرنساوية عن مصطفى بك رضوان أشهر العارفين بها في ذاك الزمان، وحفظ ألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل، وكان مولعا بالكتابة والمناظرة ينتقد كل فاسد من الأخلاق والعادات، ونال من نظارة المعارف العمومية مدة دراسته جوائز جمة مكافأة له على اجتهاده وفوزه ونجاحه، واشتهر صاحب الترجمة بالجرأة على مخالطة كبار القوم إلى حد هو بالمناظرة أشبه.

أشغاله الحكومية

عين المترجم في 18 أبريل سنة 1875 سكرتيرا بديوان جفالك الدائرة السنية، وكان موضع ثقة جميع الناس لما عرف به من النشاط والصدق في أدائه عمله، وكانت أعمال الدائرة السنية في تلك الأيام سائرة بطريق السخرة، وما أدراك ما السخرة فالزارعون والحاصدون وحافرو الترع، يؤتى بهم من أقاصي بلاد الصعيد زرافات وأفواجا، وكلهم عاملون من غير أجر فكنت ترى القائمين بهذه الأعمال الشاقة شيوخا وولدانا كهولا وشبانا نسوة ورجالا أرامل وأيتاما، ومنهم المرضى وذوو العاهات، ومنهم الحبالى من النساء، وأخريات يحملن في يد رضيعهن وهن مثقلات بالأحمال في اليد الأخرى وعلى الرءوس. كان لهذه السخرة من نفس صاحب الترجمة موقع استياء واشمئزاز يدب في إحساسه، ويستفز من عواطفه كلما شاهد من آثارها أثرا، ولكنه لم يستطع أن يشير بما يشتم منه رائحة اللوم أو عدم الرضا، وكيف وكل من عرض بشيء من هذا في تلك الأزمان انصبت عليه مصائب الطرد والحرمان، ولم يزل قليني باشا ساخطا على تلك السخرة الممقوتة ناقما عليها إلى أن تشكلت في مصر وزارة للمرة الأولى برئاسة المأسوف عليه نوبار باشا، وابتدأت يد الانتظام تتناول كل مختل من الأحكام، فدار في خلد المترجم أن يجعل هذه البداءة نهاية لتلك المظالم الفادحة، لذلك حادث في أمر هذه السخرة صاحب الفضل المأثور رجل المروءة وكل عمل مشكور، سلطان باشا رئيسه في ذاك العهد، مبينا مضارها بمصلحة البلاد والعباد، طالبا إليه بذل وسعه في أن يؤدي أعمال الدائرة عمال يتقاضون أجورهم على شروط عادلة كافلة بالمرام. وقال في ذلك كلمة حق: إن كل عمل لم يؤده خبير به يرى إليه نفعه ومنه كسبه ساءت فيه آماله، وانثنت عنه أمياله فكانت رغبات المرحوم سلطان باشا موافقة تمام الموافقة على هذه المبادئ، فتابعه فيها واتفق معه عليها؛ لأنه رحمه الله كان من خيرة القوم وأشرف أهل عصره نفسا وإحساسا، فكتب في هذا الصدد كتابا وأنفذ به صاحب الترجمة إلى رئيس الوزارة، فقابله نوبار باشا بالترحاب والإيناس، وكان أن استدعى المرحوم سلطان باشا إلى مصر، وأخذت هذه السخرة دورا كبيرا في دائرة الحكومة، وانتهى الأمر بإلغائها، وقام بتنفيذ ذلك سلطان باشا، وكان صاحب الترجمة عضده الأقوى فيه.

وفي سنة 1882م تعين قليني باشا وكيلا لديوان عموم الجفالك، وقد انتابت البلاد في تلك الأثناء الحادثة العرابية المشهورة، وألصق بالمرحوم شاكر باشا مدير المنيا وقتها تهم باطلة أخذ من أجلها مغللا بالقيود، ولاقى من جرائها ضروب الذل والهوان، فلما رأى ذلك المرحوم نعماني باشا مفتش عموم الجفالك إذ ذاك، خاف أن يصيبه ما أصاب هذا المدير فتمارض واستصدر الإذن في إجازة له، وغادر ديوان الجفالك يديره صاحب الترجمة ويتولى جميع أمره تحت مسئوليته.

Неизвестная страница