Рисование целей
رسم الأهداف
Жанры
•Islamic thought
Регионы
Египет
رسم الأهدف المستقبلية وسبل تحقيقها
في ضوء السنة النبوية
الأستاذ الدكتور عبد القادر مصطفى المحمدي
الجامعة العراقية (الاسلامية سابقًا) قسم الحديث النبوي
1 / 1
المقدمة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله ﷺ،وبعد:
إنّ الأزمة الحقيقة التي يعيشها المسلمون اليوم هي افتقارهم إلى الأهداف الاستراتيجية التي تجعلهم يندمجون مع التطور الكبير الذي يشهده العالم، والسباق العلمي الذي يتنافس عليه غيرهم.
والحقيقة أنّ للعالم عقلًا وقلبًا ومعدة، ودورنا اليوم هو دور المعدة التي تستهلك الصناعات والتكنلوجيا فقط!، فنحن نأكل ما لا نزرع، ونلبس ما لا نصنع! فالدول العربية اليوم تشهد نهمًا كبيرًا في استهلاك ما يصنعه الغرب والشرق، فإذا كان الشرق والغرب يتسابقون إلى من يصنع أحدث تكنلوجيا في الطائرات -مثلًا-،فنحن نتفاخر في أول من يشتريها، وبين ذين فرق! وما لم نتدارك أنفسنا فسيأتي يوم قريب نعجز عن ركوب هذه الطائرة ناهيك عن شرائها.
فتحول العرب والمسلمون من محرِك للإحداث في العالم إلى محرَك، ومن مؤثِر إلى متأثِر، والسبب الرئيس في هذه الأزمة الحقيقية هي أزمة حضور في هذا العصر، فالأمة اليوم مغيبة بقدر كبير جدًا عن شهود هذه النهضة في العالم.
ومن أهم الأسباب التي تقف وراء هذا النكوض الحضاري هو الأبتعاد عن جوهر الكتاب والسنة، واقتصار قرائتنا لهما على نية البركة والأجر حسب، دون الوقوف على مقصودهما وتدبر ما فيهما، فصار مثلنا اليوم:
كالعيس في البيداء يقتلها الضمأ والماء فوق ظهورها محمول
صار حالنا هكذا بعد ردح من التاريخ كنا فيه قادة، وللناس سادة، وكنا آنذاك روّاد حضارة، في وقت كان العالم كله يغط في نومه، وخيرهم من يمني نفسه أن يصل إلى معشار ما وصلت إليه الأمة المسلمة وقتئذٍ.
أنا لا أريد جلد الذات -كما يقال- ولكن الحساب بقدر المسؤولية، وأمتنا ليست أمعة بين الأمم، ولم تكن في سلفها - ولا في لاحقها إن شاء الله تعالى- ذَنَبًا لحضارة من الحضارات، بل هي الأمة الرائدة القائدة التي تحمل مسؤولية إصلاح الارض وتمكين دين الله تعالى بالحكمة والموعضة الحسنة، فهي الأمة
1 / 2
الوسط، خير الأمم والشاهدة عليها، لذا فلزامًا علينا أنْ رسم الخطط، ونضع الرؤى والأهداف، ولزامنًا على أفراد هذه الأمة ومن يحمل همومها أن يحركوا الماء الراكد، ولو بحجر صغير -كبحثنا هذا-.
فالتخطيط لرسم الأهداف هي المرحلة الأولى لبدء المشوار، وكل أمة لا ترسم أهدافًا جزئية آنية، وستراتيجية مستقبلية، هي أمة خاملة، ومن لم يكن له مشروع صار مشروعًا لغيره!
فرجعة إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ لنتفحص الآيات والأحاديث بقرآءة جديدة، قراءة يملؤها الأمل، والطموح لنستخرج الدرر الكامنة فيهما، ونحول (المسطور) في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ إلى (منظور) في أرض الواقع، وهكذا حاولت في هذه الدراسة الموجزة أن نضع لنا بصمة في هذا الطريق الطويل عسى أن تكون الخطوة في الألف ميل.
وأقول بكل ثقة إنّ في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ من القواعد والثوابت التي يزعم الغربيون وكثير من الشرقيين أنهم مَنْ سجّل السابقة في ذلك، والحقيقة الصارخة أنّ للإسلام قصب السبق في ذلك، كما تبين في طيات هذا البحث، فالنبيّ ﷺ كان يخطط لأهدافه بأعلى مستويات التخطيط الدقيق، ووضع لنفسه أهدافًا قريبة، وأخرى بعيدة، ومن تأمل جيدًا في سيرته ﷺ يجد فيها أنواع فنون الإدارة، وأعلى مستويات القيادة، وأدق أنواع التخطيط ورسم الأهداف.
وحاولت في هذه الدراسة - المتواضعة - تسليط الضوء على جزيئة مهمة وهي (رسم الأهداف) من خلال الحديث النبوي، موضحًا ماهية الأهداف، ومواصفاتها الجيدة، والقواعد العامة لتحديدها، ومن هم الشركاء في صناعتها.
ومن أهم ما أنبه عليه ههنا: أنّ الأمثلة التي نذكرها ههنا هي ليست أمثلة جامدة في حقبة زمنية معينة، وليست خاصة بالنبي ﷺ بل هي دورس حيّة، سارية المفعول في كل زمان ومكان، وتخص كل أفراد الأمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الأحزاب٢١.
والأمة مأمورة باتباع النبي ﷺ في سنته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ آل عمران٣١.
فهذا أمر من الله تعالى لنا باتباع النبيِّ ﷺ لا أنْ نقلده، وبينهما فرق كبير، فالاتباع هو اللحاق بالأول بعلم وفهم (١)، بخلاف التقليد الذي يعني: متابعة الإنسان لغيره فيما يقوله أو يفعله من غير نظر وتأمل في الدليل، كأن المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه (٢).
(١) ينظر: الوقوف على مهمات التعاريف ص٣٧.
(٢) المصدر نفسه ص١٠٦.
1 / 3
فالاتباع مظنة الأبداع، والتقليد مظنة الجمود (١).
ولذا فالمطلوب هنا هو التأمل في سنة النبي ﷺ وسيرته العطرة، وتوظيف النصوص بطريقة تلائم حاجات الأمة ومتطلبات المرحلة، وتعالج الخمول الذي خيم على مجتمعنا اليوم، ولاسيما أن الله تعالى يسّر لنا ما كان يحلم به غيرنا في سالف الأزمان، فوسائل التواصل وسبل الاتصال مبذولة لطلبة العلم اليوم.
ولا يفوتني التنويه إلى شحة الدراسات التي تعرضت للتخطيط ورسم الأهداف من خلال السنة النبوية، وكل من كتب في الأهداف -في حدود اطلاعي- فإنما تعرّض إليها ضمنًا لا أصلًا، وبطريقة إدارية بحتة، وغالب الأمثلة مكررة وتدور على حديث أو حديثين.
لذا اجتهدت قدر المستطاع في توجيه النصوص حسب الخطة المرسومة، فجاء بهذا الشكل، فبحثي هذا إن كتب له القبول إنْ شاء الله يكون أوّلًا في بابه، وقد يكون نقطة انطلاق لرسالة علمية متخصصة في رسم الأهداف، والفضل بعد فضل الله تعالى يعود لـ (ندوة الحديث الشريف) المباركة في فتح هذه الأفاق الجديدة الإبداعية كما تعودنا عليها منذ انطلاقتها، وفق الله القائمين عليها، وجعله في ميزان حسناتهم.
وقد اختصرت الكلام بغير اخلال فيه، ليتوافق مع الشروط المقررة في هذه الندوة، وحاولت الاقتصار على الأحاديث الصحيحة، إلاّ إذا لم يكن في الباب غيره، فأذكره وأنبه عليه في موضعه.
وأخيرًا فهذه بضاعتنا مزجاة بين أيديكم، نسأل الله الكريم أنْ يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يوفق أخوتي الباحثين للإستفادة منه وتطويره بالشكل الذي يحقق النفع الأكبر، وما كان فيه من صواب فمن توفيق الله وحده، وما كان فيه من خلل وقصور فمن ضعفي وقلة حيلتي.
والحمد لله رب العالمين.
(١) محاضرات في العقيدة الاسلامية، د. عبد القادر المحمدي ص١٥.
1 / 4
المبحث الأول: (الهدف) مفهومه، وشروط تحقيقه
المطلب الأول: تعريف الهدف لغة واصطلاحًا
جاء في العين:" والهَدَفُ: كلّ شيء عريض مرتفع. وأَهْدَفَ الشَّيءُ، إذا انْتَصَبَ" (١).
وقال ابن فارس: الْهَاءُ وَالدَّالُ وَالْفَاءُ: أُصَيْلٌ يَدُلُّ عَلَى انْتِصَابٍ وَارْتِفَاعٍ. وَالْهَدَفُ: كُلُّ شَيْءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الرَّجُلُ الشَّخِيصُ الْجَافِي هَدَفًا. قَالَ: وَالْهَدَفُ: الْغَرَضُ. وَرَكَبٌ مُسْتَهْدِفٌ: عَرِيضٌ. وَامْرَأَةٌ مُهْدِفَةٌ: لَحِيمَةٌ. وَأَهْدَفَ لَكَ الشَّيْءُ: انْتَصَبَ. وَمِنَ الْبَابِ الْهِدْفَةُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النّاس.
وفي الحديث:"أنّ النبيّ ﷺ كان إذا مرّ بهَدَفٍ مائل أو صدفٍ مائل أسرع المشي". (٢) " (٣).
وأما الهدف اصطلاحًا: فقال ابن الأثير:" الهدف: كل بناء مرتفع مشرف ..، يقال: أهدف له الشيء واستهدف، إذا دنا منه وانتصب له مستقبلا " (٤).
وقد وردت كلمة هدف أيضًا في حديث عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فاسر إليَّ حديثًا لا أخبر به أحدا أبدًا وكان رسول الله ﷺ أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل، .... الحديث " (٥).
وقال المناوي:" الهدَف -محركًا- كل شيء عظيم مرتفع، والغرض وقولهم من صنف فقد استهدف أي انتصب كالغرض يرمى بالأقاويل " (٦).
ومن معاني الهدف (الغرض)، وهذا الذي استعمله النبيّ ﷺ في أكثر من مناسبة، فقال ﷺ:"لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا " (٧).
ومنه ما أخرجه أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مغفل المزني، قال: قال رسول الله ﷺ:" الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم
(١) العين باب (هـ د ف) ٤/ ٢٨.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٤١)،والبيهقي في شعب الايمان (١٣١٦)،وإسناده مرسل
(٣) مقاييس اللغة ٦/ ٣٩ - ٤٩،وينظر الصحاح، للجوهري ٤/ ١٤٤٢.
(٤) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٥/ ٢٥١، بتصرف يسير، وينظر غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٤٩٢.
(٥) أخرجه أحمد١/ ٢٠٤،وإسناده صحيح.
(٦) التوقيف على مهمات التعاريف ص٧٣٩.
(٧) أخرجه مسلم ٣/ ١٥٤٩ (١٩٥٧)،وغيره.
1 / 5
فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ﷿، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (١).
قال المناوي:" الغرض: الهدف المقصود بالرمي، ثم جعل اسما لكل غاية يتحرى إدراكها، وقال الشريف: الغرض هو الفائدة المترتبة على الشيء من حيث هي مطلوبة بالإقدام عليه " (٢).
فالأهدف والأغرض بمعنى واحد، وهما: الغاية التي يتحراها طالبها للوصول إلى مراده، ولا تتحقق إلا بالإقدام عليها، وقد تكون واحدة أو أكثر، كلية أو جزئية.
المطلب الثاني: شروط تحقيق الأهداف (في ضوء السنة النبوية)
لتحقيق الأهداف شروط مهمة يجب توفرها حتى تتحقق الأهداف، وأهم هذه الشروط:
أولًا: أن يكون الهدف محددًا واضحًا:
خلق الله تعالى هذا الكون بنظام دقيق، فهو يسير وفْق غاية محددة وهدف منشود، وهذا النظام الكوني البديع مرآة تدلّ على أنّ كل شيء فيه له هدف. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ الأنبياء١٦، فالله ﷻ خلق هذا الكون ونظمه، وجعل له أهدافًا بينة وواضحة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر٤٩. فالأنسان -أي انسان - لو تامل قليلًا بتجرد تام في ملكوت السموات والأرض لما ملك نفسه أن يعترف بهذا الخالق العظيم.
ولما كان الأنسان خليفة في هذه الأرض كان عليه أنْ يعرف الهدف الذي يعيش من أجله، ويسعى لتحقيقه، وإلاّ فإنه ولد وعاش وسيموت وهو لا يدري لم خلق وأين سيمضي.
أما المسلم الدّاعي إلى الله فيجب عليه أولًا أن يُحدِّد الهدف من دعْوته، وتحديد الهدف يدفعه إلى سلوك السبل الصحيحة المرتّبة في حياته، فيكون لكلامه حينئذٍ أكثر نفعًا، وأبلغ تأثيرًا.
وأزعم إنّ ما يَحدُث في ميدان الدّعوة اليوم من اخفاقات سببها في أغلب الأحيان عدم تحديد الأهداف ووضوحها، إذ يَتَشتّت ذهن المستمع في موضوعات شتَّى وفي أمور متنوِّعة، تجْعله ينصرف عن الدّعاة، لأنه لم يجد لديْهم هدفًا مُحدّدًا.
ولقد حدّد الله ﷾ الهدَف من خلْق الإنسان قبل خلقه!،فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة٣٠،وأمر الملائكة أن يسجدوا له فقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٥٧،والترمذي (٣٨٦٢)،وغيرهما، واسناده ضعيف.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٥٣٦.
1 / 6
فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ الحجر٢٩.وحدد له وظيفته في هذا الكون، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات٥٦،وحدّد ﷺ مضمونَ رسالته، والغايةَ منها، منذ أوّل يوم، إذ صعد على جبل الصفا في قلب مكة، فصدح بهدفه، فأخرج البخاري من حديث ابن عباس ﵁ قال:": لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء٢١٤. صعد النبيّ ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أنْ يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال ﷺ:" أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلا بالوادي تريد أنْ تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ ". قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال:" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ المسد:١،٢ " (١).
فالنبيّ ﷺ جمع عشيرته وأقاربه على صعيد واحد، وحدد لهم الهدف الذي بعث من أجله، بكل وضوح ودقة وإيجاز، وكذا أخرج أحمد في مسنده من حديث أبي الزناد عن ربيعة بن عباد الديلي، قال: رأيت رسول الله ﷺ بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول:" يا أيها النّاس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". ويدخل في فجاجها والنّاس متقصفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا وهو لا يسكت، يقول:" أيها النّاس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". إلاّ أنّ وراءه رجلًا أحول وضيء الوجه ذا غديرتين، يقول: إنّه صابئ كاذب. فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد الله، وهو يذكر النبوة قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب " (٢).
ومن الدقة العالية للأهداف النبوية أنه حدد مطلبه من قومه بكلمة واحدة: (لا إله إلا الله)، ولكنهم رفضوها، قال ابن عباس ﵁:مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبيّ ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كى يمنعه، وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي: ما تريد من قومك؟ قال: إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدى إليهم العجم الجزية". قال: كلمة واحدة! قال:" كلمة واحدة". قال:" يا عم قولوا لا إله إلا الله". فقالوا: إلها واحدًا (ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إنْ هذا إلا اختلاق). قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ص ١و٢ إلى قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ ص ٧" (٣).
فالنبيّ ﷺ حدد هدفه (كلمة واحدة)،وأخبرهم بالنتائج المستقبلية التي خطط لها النبيّ ﷺ، تدين لهم العرب، وتؤدي العجم الجزية إليهم، وهذا بالتأكيد ناتج عن تخطيط نبوي على مستوى عالٍ، فكأني بالنبيّ ﷺ
(١) أخرجه البخاري (٤٤٩٢)، ومسلم ١/ ١٩٢ (٢٠٤)،وغيرهما.
(٢) الحديث صحيح، أخرجه أحمد ٤/ ٣٤١.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٢٧،والترمذي (٣٢٣٢)، والنسائي في الكبرى (٨٧١٦)،وغيرهم
1 / 7
كان يجلس الساعات والأيام يفكر ويرسم الخطط لتحقيق الأهداف، وبالتأكيد يظلله الوحي ويسدد تلك الخطوات.
لذا كان لهذا التحديد والوضوح أثر بالغ في التأثير في إسلام كثير من الصحابة، فالإنسان السوي يهمه وضوح الأهداف ودقة الرؤى في ما يطلب منه، لاسيما في مسألة تتعلق بنهايته المحتومة، وبآخرة إما إلى خلود في الجنة أو في النار-أعاذنا الله منها-.
فعن عبد الله بن عباس ﵁ قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله ﷺ فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فى أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدًا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ:" أنا ابن عبد المطلب". قال: محمد؟ قال:" نعم". فقال: ابن عبد المطلب: إني سائلك ومغلظ فى المسألة، فلا تجدنًّ فى نفسك. قال:" لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك". قال: أنشدك الله، إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: آلله بعثك إلينا رسولًا؟ فقال:" اللهم نعم". قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أنْ تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأنْ نخلع هذه الأنداد التى كانت آباؤنا يعبدون معه؟ قال:" اللهم نعم". قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أنْ نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال:" اللهم نعم". قال-ابن عباس-: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كل فريضة كما يناشده فى التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص. قال: ثم انصرف راجعًا إلى بعيره، فقال رسول الله ﷺ حين ولّى:" إنْ يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة". قال: فأتى إلى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أوّل ما تكلم به أنْ قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجذام اتق الجنون. قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إنْ الله ﷿ قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمدًا عبده ورسوله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة" (١).
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٠ و١/ ٢٦٤ و١/ ٢٦٥، والدارمي (٦٥٢)، وأبو داود (٤٨٧)،وغيرهم.
1 / 8
فالوضوح والدقة في تحديد الهدف غيرتا حال الرجل من حال إلى حال بهذه السرعة، وتحول إلى داعية إلى دين الله تعالى.
ثانيًا: أن يكون الهدف قابلًا للتنفيذ
قد يضع الأنسان لنفسه أهدافًا كبيرة، لكنه يفشل في تحقيقها لا لغلل فيها، وإنما لكونها غير قابلة للتنفيذ أصلًا، ربما من قبله فقط أو من قبل أي شخص آخر، لذا فالمؤسسات الناجحة هي التي تضع أهدافًا تقبل التنفيذ.
والهدف القابل للتنفيذ هو الهدف الذي يناسب قدرات الشخص نفسه-أو المؤسسة- وإمكانياته ومستواه، لذا نجد في بعض مؤسساتنا اليوم مشاريع ضخمة تنطلق ولكنها سرعان ما تفشل بعد فترة وجيزة؛ كون تلك الأهداف غير قابلة للتنفيذ في ذلك البلد بالذات لسبب أو لآخر.
وأحسب أن السبب الرئيس في هذا الفشل أن غالب هذه الطموحات لم تبنَ على أساس علمي ودراسة مسبقة، وإنما هي في العادة اجتهادات من أشخاص ربما مخلصين ولكنهم غير مؤهلين أو غير متدربين.
ولنوضح ذلك بمثال من السيرة النبوية الكريمة: فأخرج البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة زوج النبيّ ﷺ انّ رسول الله ﷺ قال:"الم تري أنّ قومك حين بنوا الكعبة، اقتصروا عن قواعد إبراهيم. قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله ﷺ:" لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت" (١).وفي رواية: "لولا أنّ قومك حديث عهدهم بجاهلية -أو قال: بكفر. قال: يقول: ابن الزبير:- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين في الأرض بابًا يدخل منه وبابًا يخرج منه". قال أبو إسحاق (٢):فانا رأيتها كذلك" (٣).
(١) أخرجه البخاري (١٥٠٦)،و(٣١٨٨)،ومسلم ٢/ ٩٦٩ (١٣٣٣)،وغيرهما.
(٢) السبيعي.
(٣) أخرجه أحمد ٦/ ١٠٢.
1 / 9
فكان من جملة أهداف النبيّ ﷺ أنْ يهدم بناء الكعبة ويقيمه على أصل بناء إبراهيم الخليل ﵊، ويدخل الحجر، ويجعل لها بابين ..،وهو هدف رائع ونافع، لكنّ النبيّ ﷺ راعى عدم امكانية تنفيذه وقتئذٍ، كون النّاس قريببي عهد بجاهلية، وقد تتحقق مفسدة في الهدف أكبر من المنفعة، فترك النبيّ ﷺ تنفيذ هذا الهدف.
وحينما جاء الوقت المناسب في خلافة عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁ كان الوضع مناسبًا فنفّذ ابن الزبير هذا الهدف.
ثالثًا: أن يكون الهدف واقعيًا:
ونعني به أن يكون له أثر على الواقع لا أنه خيالي غير واقعي، أو هدف لا يتحقق بأي شكلٍ من الأشكال.
ويقال: إنّ ملكًا خرج يومًا في رحلة تستغرق أيامًا في غابات مملكته الواسعة، وفي طريق عودته شعر بألم في قدميه، فقرر أن يفرش طرقات المملكة على طولها وعرضها جلدًا كي لا تتورم قدماه من جديد! وهذا عمل شاق جدًا، فقال له الوزير الفطن: يا سيدي لم لا تغطي قدميك بالجلد؟ (١) فالأهداف لابد لها من واقعية وإمكانية.
ولذا سعى النبيّ ﷺ لإصلاح الشباب والحفاظ على السلوك القويم فهم عصب الأمة، والشريان الحي لها، وحياة الأمم بحياة شبابها، وضياعها بانحرافهم عن القيم والثوابت.
فكان من أهم الأهداف النبوية تحصين الشباب من المزالق الفكرية والخلقية، إذن الهدف كان (حماية الشباب من الإنحراف) وهذا هدف واقعي، ليس خياليًا.
وقد تعامل النبيّ ﷺ بواقعية تامة مع هذا الهدف، فمثلما منعهم من الزنا، دعاهم ورغبهم في الزواج وإنشاء الأسر القويمة، ولما كان هذا الهدف واقعيًا فقد ترك اثرًا واضحًا في نفوس الشباب، وتأمل كيف عالج النبيّ ﷺ غريزة ذاك الشاب الذي جاءه يريد من النبيّ ﷺ أن يبيح له الزنا دون النّاس، فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. فقال ﷺ:" أدنه فدنا منه قريبًا"، قال فجلس، قال ﷺ:" أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لأمهاتهم". قال:" أفتحبه لابنتك"؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لبناتهم". قال:" أفتحبه لأختك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لأخواتهم". قال: "أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال:" ولا النّاس يحبونه لعماتهم". قال:" أفتحبه لخالتك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك.
(١) ينظر: أفكار صغيرة لحياة كبيرة، كريم الشاذلي ص٧٩.
1 / 10