Послание души
رسالة النفس
بسم الله الرحمن الرحيم
؟غرض الكتاب
الغرض هاهنا أن نثبت من أقاويل المفسرين في علم النفس، ما نرى أنه أشد مطابقة لما تبين في العلم الطبيعي، وأليق بغرض أرسطر. وقبل ذلك فلنقدم مما تبين في هذا العلم ما يجري مجرى الأصل الموضوع لنفهم جوهر النفس.
فنقول إنه قد تبين في الأولى من السماع. أن جميع الأجسام الكائنة الفاسدة مركبة من هيولى وصورة، وأنه ليس ولا واحد منهما جسمًا، وأن كان بمجموعهما يوجد الجسم، وتبين هنالك أن الهيولى الأولى لهذه الأجسام ليست مصورة بالذات ولا موجودة بالفعل، وأن الوجود الذي يخصها إنما هو لها من جهة أنها قوية على قبول الصور، لا على أن القوة جو هرها بل على أن ذلك تابع لجو هرها وظل مصاحب لها، وأن سائر ما يقال عليه من الأجسام الموجودة بالفعل أنها قوية على شيء، فإنما يقال فيها ذلك من جهة المادة. إذ كان ليس يمكن أن يوجد لها القوة من جهة ما هي موجودة بالفعل بالذات وأولًا، فإن الفعل والقوة متناقضان.
وتبين أيضًا هنالك أن هذه المادة الأولى ليس يمكن فيها أن تتعرى عن الصورة لأنها لو عريت منها لكان ما لا يوجد بالفعل موجودًا بالفعل.
وتبين مع هذا في السماء والعالم أن الأجسام التي توجد صورها في المادة الأولى وجودًا أولًا، ولا يمكن أن تتعرى منها المادة هي الأجسام البسيطة الأربعة - النار - والهواء - والماء - والأرض.
وتبين أيضًا في كتاب الكون والفساد من أمر هذه البسائط أنها أسطقسات سائر الأجسام المتشابهة الأجزاء، وأن تولدها عنها إنما يكون على جهة الاختلاط والمزاج.
وأن الفاعل الأقصى لهذا الاختلاط والمزاج على نظام ودور محدود هي الأجرام السماوية.
وتبين أيضًا في الرابعة من الآثار العلوية أن الاختلاط الحقيقي والمزاج في جميع الأجسام المتشابهة الأجزاء التي توجد في الماء والأرض إنما يكون بالطبخ، والطبخ يكون بالحرارة الملائمة لذلك الشيء المنطبخ، وهي الحرارة الغريزية التي تخص موجودًا موجودًا، وأن فصول هذه الأجسام المتشابهة الأجزاء إنما تنسب إلى المزاج فقط.
وأن فاعلها الأقرب هو الحار المازج لها، والأقصى الأجرام السماوية. وبالجملة فتبين هناك أن في الأسطقسات والأجرام السماوية كفاية في وجود هذه الأجسام المتشابهة وإعطاء ما به يتقوم، وذلك أن جميع فصولها منسوبة إلى الكيفيات الأربع.
وتبين بهذا كله في كتاب الحيوان أن أنواع التركيبات ثلاثة: "فأولها" التركيب الذي يكون من وجود الأجسام البسائط في المادة الأولى التي هي غير مصورة بالذات. "والثاني" التركيب الذي يكون عن هذه البسائط وهي الأجسام المتشابهة الأجزاء. "والثالث" تركيب الأعضاء الآلية وهي أتم ما يكون وجودًا في الحيوان الكامل كالقلب والكبد.
وقد توجد على جهة المقايسة والتشبيه في الحيوان الذي ليس بكامل وفي النبات أيضًا كالأصول والأغصان.
وتبين أيضًا في هذا الكتاب أن المكون القريب لهذه الأجسام الآلية ليست حرارة أسطقسية، فإن الحرارة الأسطقسية إنما فعلهما التصليب والتليين، وغير ذلك من الأشياء المنسوبة إلى الأجسام المتشابهة، بل المكون لها هو قوة شبيهة بقوة المهنة والصناعة كما يقول أرسطر، وذلك أيضًا مع حرارة ملائمة للتخليق والتصوير وإعطاء الشكل، وأن معطي هذه الصورة الحرارة وصورتها المزاجية التي بها تفعل في الحيوان المتناسل والنبات المتناسل هو الشخص الذي هو من نوع ذلك المتولد عنه أو مناسب له من جهة ما هو شخص متنفس بتوسط القوة والحرارة الموجودة في البزر والمني. وأما في الحيوان والنبات الذي ليس بمتناسل فمعطيها هو الأجرام السماوية.
وتبين أيضًا مع ذلك انه كما أن هذه الحرارة ملائمة للتصوير والتخليق ليس فيها كفاية في إعطاء الشكل والخلقة دون أن تكون هناك قوة مصورة من جنس النفس الغاذية، كما لا يكون التغذي في الجسم إلا بقوة غاذية، كذلك هذه القوة الغاذية والحسية المتكونة في الحيوان عن مثلها لها فاعل أقصى مفارق وهو المسمى عقلًا، وأن كان المكون القريب للأعضاء الآلية والنفس الحادثة فيها هي هذه القوة فإن الأقرب هي القوة النفسية التي في البزر فإن هذه الأعضاء الآلية ليست توجد إلا متنفسة وأن وجدت غير متنفسة فالوجود لها بضرب من الاشتراك، كما يقال اليد على يد الميت ويد الحي.
1 / 1
وتبين أيضًا مع هذا هنالك أن الموضوع القريب لهذه النفوس في الأجسام الآلية هو حرارة مناسبة للحرارة والمكونة، إذ كان لا فرق بينهما إلا أن هذه آلة الحافظة وتلك آلة المكون وهذه هي الحرارة المشاهدة بالحس في الحيوان الكامل في القلب أو ما يناسبه في الحيوان الذي ليس بكامل. وقد توجد هذه الحرارة في كثير من هذه الأنواع كالشائعة فيه وذلك لقرب أعضائها من البسائط كالحال في كثير من الحيوان والنبات والنبات أحرى بذلك، ولذلك متى فصلنا غصنًا من أغصان النبات وغرسناه أمكن أن يعيش.
وتبين أيضًا هنالك أن قوى النفس واحدة بالموضوع القريب لها التي هي الحرارة الغريزية كثيرة بالقوة كالحال في التفاحة، فإنها ذات قوى كثيرة باللون والطعم والرائحة، وهي مع ذلك واحدة. إلا أن الفرق بينهما أن هذه أعراض في التفاحة وتلك جواهر في الحرارة. الغريزية، فهذه هي الأمور التي إذا تحفظ بها قدرنا أن نصل إلى معرفة جوهر النفس وما يلحقها على أتم الوجوه وأسهلها، وهي أمور وأن لم يصرح بها أرسطر في أول كتابه فهو ضرورة مصادرة عليها بالقوة على عادته في الإيجاز.
مبدأ المفارقة
ومن هذه الأمور بعينها يمكن أن نقف من أمرها على ما هو اكثر ذلك متشوق من أمرها، وهو هل يمكن فيها أن تفارق أم لا، إلا أنه ينبغي أن يكون عتيدًا قبل هذا الفحص على أي جهة يمكن أن توجد صورة مفارقة في الهيولى أن وجدت، وفي أي المواضع والشبل يمكن أن يوقف على ذلك أن كان.
فنقول أن المفارقة إنما تكون أن توجد في أشياء منسوبة إلى الأمور الهيولانية بأن تكون نسبتها إليها لا نسبة الصورة إلى المادة بل تكون لاتصالها بالهيولى اتصالًا ليس في جوهرها. كما يقال في العقل الفعال إنه في المني والبزر، ويقال إن المحرك الأول في المحيط، فإن نسبة الصورة إلى الهيولى هي نسبة لا يمكن فيها أصلًا أن تتصور المفارقة فيها من جهة ما في صورة هيولانية، فإن هذا الوضع يناقض نفسه لأن أحد ما يضع صاحب هذا العلم على أنه بين بنفسه هو أن هذه الصورة الطبيعية بين من أمرها أنها تتقوم بالهيولى، ولذلك كانت حادثة وتابعة في حدوثها للتغير وطبيعته.
وأيضًا فمتى أنزلنا خلاف هذا، أعني أنها أزلية سواء فرضناها منتقلة من موضع إلى موضع أولًا من موضع إلى موضع، وهذا هو احفظ لهذا الوضع، لأنها إذا كانت أزلية فما بالها لا توجد إلا في موضوع، فإنه يلزم عن ذلك محالات كثيرة.
منها أن يكون الموجود يتكون عن موجود بالفعل، لأن المادة إذا كانت غير حادثة والصورة أيضًا غير حادثة فليس هاهنا كون أصلًا، ولا يكون هنالك غناء للمحرك والكون بل لا يكون هنالك فاعل أصلًا.
وأيضًا أن أنزلنا الصورة موجودة قبل وجودها في الهيولى المشار إليها فلا يخلو أن يكون وجودها تغيرًا أو تابعًا لتغير أو لا يكون هنالك للصورة مغائرة أصلًا، لكن متى أنزلنا الصورة ليس لها تغير أصلًا ولا وجودها في الهيولى المشار إليها تابع لتغير وكذلك فسادها لزم أن يكون الشيء الواحد بعينه قبل التكون كحاله بغد التكون وقبل الفساد كحاله بعد الفساد، حتى تكون الأضداد موجودة معًا في موضوع واحد، كأنك قلت صورة الماء وصورة النار، وهذا كله خلاف المعقول.
وأن أنزلنا أيضًا حدوثها تغيرًا، أعني أنها تتغير عند الحدوث من لا هيولى إلى هيولى أو من هيولى إلى هيولى، كما يقول أصحاب التناسخ لزم ضرورة أن تكون الصورة جسمًا ومنقسمة حسب ما تبين من أن كل متغير منقسم.
وإذا كان هذا هكذا فلم يبق أن يكون حدوثها في الهيولى إلا على أن وجودها تابع لتغير على ما يظهر من أمر الصور الكائنة، فإن أحدًا ما يتم به. وتتكون صورة الهواء في هيولى الماء إنما هو لوجود الاستحالة المتقدمة في الماء بحدوث صورة الهواء، لكن هذه الصورة من اجل وجودها في متغير لا من جهة أنها متغيرة بذاتها، فكانت ليست بجسم ولا تنقسم. ولذلك ما قيل إنه ليس حركة في الجوهر، وهذا كله قد يظهر في السماع الطبيعي.
1 / 2
وأيضًا لو أنزلنا هذه الصورة غير هيولانية لم يكن حدوثها في الشيء يوجب مزيد استعداد لقبول صورة أخرى، ولا كانت بعضها كمالات لبعض، وبعضها موضوعات لبعض على جهة ما نقول أن الغاذية موضوعة للحساسة والحساسة كمال لها، فإن الصورة بما هي صورة ليس فيها من الاستعداد والقوة، إذ كان وجودها الذي يخصها إنما هو لها من جهة الفعل والفعل والقوة متناقضتان، وإنما أمكن أن توجد فيها القوة بضرب من العرض، وذلك لكونها هيولانية، وهذه كلها استظهارات تستعمل مع من ينكر وجود هذا لا على أنها براهين تتبين بها مجهول بمعلوم.
ومن شأن هذا النوع من الأقوال أن يستعمل في علم ما بعد الطبيعة، إذ كانت تلك الصناعة هي الصناعة التي تتكفل نصرة ما تضعه الصنايع الجزئية مبادئ وموضوعات، وإذا كان موضوعًا لصاحب هذا العلم أن اكثر الصور هيولانية وأن ذلك بين من أمرها، فالذي يفحص عنه صاحب هذا العلم إما هو الصورة المشكوك في أمرها هل هي متقومة بالهيولى أم ليست متقومة. والسبيل التي منها يمكن أن تكتسب المقدمات الخاصة المناسبة بهذا النظر في هذا العلم، فهي أن تحصى جميع المحمولات التي تلحق الصور الهيولانية بما هي هيولانية، إذ كان وجودها في الهيولى ليس بنحو واحد على ما ظهر فيما تقدم، وسيظهر في هذا الكتاب.
ثم يتأمل جميعها مثلًا في النفس الناطقة إذ كانت التي يظن بها من بين قوى النفس أنها تفارق، فإن ألفيناها متصفة بواحد منها تبين أنها غير مفارقة، وكذلك تتصفح المحمولات الذاتية التي تخص الصور بما هي، صور لا بما هي صور هيولانية، فإن الفي لها محمول خاص تبين انها مفارقة، كما يقول أرسطو أنه أن وجد للنفس أو لجزء من أجزائها فعل ما يخصها أمكن أن تفارق. فهذه هي الجهة التي يمكن أن ننظر منها في ذلك، فليكن هذا عندنا عتيدًا حتى نصل إلى الموضع الذي يمكن فيه أن نفحص من هذا المطلوب. فإن هذا الفحص إنما يترتب في جزء جزء من أجزاء النفس بعد المعرفة بجو هره، إذ كان علم ذات الشيء متقدمًا على لواحقه، فلنبدأ من حيث بدا.
تعريف النفس
فنقول إنه يظهر من قرب عما وضع في القول المتقدم أن النفس صورة لجسم طبيعي آلي، وذلك أنه إذا كان كل جسم مركب من مادة وصورة، وكان الذي بهذه الصفة في الحيوان هو النفس والبدن، وكان ظاهرًا من أمر النفس أنها ليست بمادة للجسم الطبيعي، فبين أنها صورة ولا الصورة الطبيعية هي كمالات أول للأجسام التي هي صور لها، فبالواجب ما قيل في حد النفس أنها استكمال أول الجسم طبيعي آلي، وإنما قيل أول تحفظًا من الاستكمالات الأخيرة التي هي في الأفعال والانفعالات، فإن مثل هذه استكمالات تابعة للاستكمالات الأول، إذ كانت صادرة عنها إلا أن هذا الحد لما كان مما يظهر انه يقال بتشكيك على جميع قوى النفس، وذلك أن قولنا في الغاذية أنها استكمال غير معنى قولنا ذلك في الحساسة والمتخيلة، وأحرى ما قيل ذلك باشتراك على القوة الناطقة، وكذلك سائر أجزاء الحد لم تكن كفاية في تعرف جو هر كل جزء من أجزائها من هذا الحد على التمام، حتى نعرف ما هذا الاستكمال الموجود في النفس الغاذية وفي واحدة واحدة منها وهذه النفس يظهر بالحس من أفعالها أن أجناسها خمسة: أولها في التقديم بالزمان وهو التقدم الهيولاني والنفس النباتية ثم الحساسة، ثم المتخيلة، ثم الناطقة، ثم النزوعية، وهي كاللاحق لهاتين القوتين، أعني المتخيلة والحساسة، وأن الحساسة خمس قوى: قوة البصر، وقوة السمع، وقوة الشم، وقوة الذوق، وقوة اللمس، وسنبين بآخره أن عددها هذا العدد ضرورة، وأنه لا يمكن أن توجد قوة أخرى من قوى الحس غير هذه وليس هذه القوى يوجد لها التباين من جهة أفعالها فقط، بل ولأن بعضها قد يفارق بعضًا بالموضوع، وذلك أن النباتية قد توجد في النبات دون الحساسة، والحساسة من دون المتخيلة في كثير من الحيوان كالذباب وغيره، وأن كان ليس يوجد الأمر فيها بالعكس، أعني أن توجد الحساسة من دون الغاذية أو المتخيلة من دون الحساسة.
1 / 3
والعلة في ذلك أن ما كان منها يجري مجرى الهيولى لبعض لم يكن في ذلك البعض أن يفارق هيولاه وأمكن في تلك القوة التي تتنزل من تلك الأخيرة منزلة الهيولى أن تفارق، لكن لا من جهة ما هي هيولى لشيء بل من جهة ما هي كمال وتمام للشيء الذي هي له تمام. ولذلك لم يمكن في الهيولى الأولى أن تفارق إذ كان ليس فيها صورة بالفعل تكون لها مستعدة لقبول صورة أخرى، وأمكن ذلك في المركب الذي هو من جهة هيولى ومن جهة صورة.
ونحن إنما نبتدئ من هذه القوى بأشدها تقدمًا في الزمان كما فعل أرسطر، وهو التقدم الهيولاني والقوة التي هذه صفتها هي النفس الغاذية فلنبدأ من القول فيها.
القول في القوة الغاذية
والقوة تقال بضرب من التشكيك على الملكات والصور حين ليس تفعل كما يقال في النار أنها محرقة بالقوة إذا لم تحضرها المادة الملائمة للإحراق، وعلى القوى المنفعلة كما يقال في الخبر انه دم بالقوة، وفي الدم أنه لحم بالقوة، وذلك إذا لم يحضر المحرك، وطاهر أن هذه القوة الغاذية من جنس القوى الفاعلة، وذلك أن الغذاء لما كان صنفين: أحدهما الذي بالفعل وذلك إذا استحال إلى جوهر المغتذي. والثاني الذي بالقوة، وذلك قبل أن يستحيل إلى جوهر المغتذي، والذي بالقوة كما قيل في غير ما موضع إنما يصير إلى الاستكمال من قبل المحرك الذي بالفعل. إلا أن القوة أيضًا لما كانت صنفين قريبة وبعيدة والقوة البعيدة في الغذاء المحرك لها ضرورة غير النفس الغاذية، كالقوة التي في الأسطقسات أن يكون لحمًا. وأما القوة القريبة مثل ما نقول في الخبز انه غذاء بالقوة فالمحرك لها هي النفس العأذية ولذلك هي ضرورة قوة فاعلة.
وقد قيل كيف يكون الفعل والانفعال على العموم في هذه الحركة، وفي غيرها من الحركات في الأولى من الكون والفساد، وقيل هناك أن المنفعل يلزم أن يكون من جهة شبيهًا ومن جهة ضدًا فأما أن الانفعال الموجود في الغذاء هو في الجوهر فذلك بين بنفسه. وأما أن هذه القوة الغاذية نفس فذلك بين من أنها صورة لجسم آلي، وهي بالجملة إثما تفعل مما هو جزء عضو آلي. بالقوة جزِء عضو آلي بالفعل، وبين أن مثل هذا التحريك والفعل ليس منسوبًا إلى النار. فأما الآلة التي بها تفعل هذه القوة الاغتذاء فهي الحرارة ضرورة، وليس أي حرارة اتفقت بل حرارة ملائمة لهذا الفعل، وهي المسماة الحرارة الغريزية، وذلك أن هذه النفس إنما تفعل كما يظهر من أمرها جزء عضو عضو من أعضاء المتغذي والأعضاء مركبة من الأسطقسات، والمركب من الأسطقسات إنما يصير واحدًا على ما تبين بالمزاج، والمزاج إنما يكون بالحرارة كما قيل في الآثار العلوية، فإذن الحرارة هي الآلة الملائمة لهذا الفعل، وليس هذه الحرارة هي النفس كما ظن جالينوس وغيره. فإن فعل الحرارة ليس بمرتب ولا محدود ولا تفعل نحو غاية مقصودة كما يظهر ذلك من أفعال النفس، ولا يصح أن ينسب الترتيب إلى الحرارة إلا بالعرض على ما كان يرى كثير من القدماء.
وهذه الحرارة هي الموضوع القريب الأول لهذه النفس التي تتنزل منها منزلة الهيولى، وذلك شيء بالواجب عرض لكل محرك ليس بجسم وهو في جسم إذا حرك جسمًا آخر، أعني انه إنما يكون تحريكه له من جهة ما هو موجود في جسم هو صورة فيه، وإلا لم يمكن فيه أن يحرك الجسم الآخر كالحال في النفس الغاذية، والغذاء في النفس المحركة لجسم الحيوان في المكان على ما سيظهر بعد.
فأما السبب الغائي الذي من اجله وجدت هذه القوة في الحيوان وفي النبات فهو الحفظ. وذلك أن أجساد المتنفسات لطيفة متخلخلة سريعة التحلل، فلو لم تكن فيها قوة شأنها أن يخلف بدل ما تحلل منها أمكن في المتنفس أن يبقى زمانًا له طول ما، وإذا كان هذا كله من أمر هذه القوة كما وصفنا فإذن هذه القوة هي التي من شأنها أن تصير بالحار الغريزي، مما هو جزء عضو بالقوة جزء عضو بالفعل، لتحفظ بذلك على المتنفس بقاءه ولذلك كان إخلال فعل هذه القوة موتًا.
1 / 4
وهاهنا قوة أخرى منسوبة إلى النبات هي كالكمال والصورة للقوة الغاذية، إذ كانت لا يمكن أن توجد خلوا من الغاذية، ويمكن أن توجد الغاذية خلوا منها وهي القوة النامية، وهذه القوة هي القوة التي من شأنها عندما تولد الغاذية من الغذاء أكثر مما تحلل من الجسم أن تنمي الأعضاء في جميع أجزائها وأقطارها على نسبة واحدة، وهو بين أن هذه القوة مغايرة بالماهية للغاذية. فإن فعل التنمية غير فعلِ الحفظ، فإن هذه القوة قوة فاعلة، فبين مما رسمناها به كذلك أيضًا كونها نفسًا.
وأما السبب الغائي الذي من اجله وجدت هذه القوة فإنه لما كانت الأجسام الطبيعية لها أعظام محدودة وكان لا يمكن في الأجسام المتنفسة أن توجد لها من أول الأمر العظم الذي يخصها احتيج إلى هذه القوة، ولذلك إذا ما بلغ الموجود العظم الذي له بالطبع كفت هذه القوة.
وبين مما قبل أيضًا في النفس الغاذية أن آلة هذه القوة هي الحرارة الغريزية، فأما كيف تكون هذه الحركة وبماذا تكون فقد لخص القول في ذلك في كتاب الكون والفساد، وليس هذا الفعل فقط ينسب لهذه النفس، أعني النمو بل وضده وهو الاضمحلال. فإن هذه الحركة أيضًا محدودة مرتبة وذلك أنها إذا عرضت تعرض في كل نقطة وجزء محسوس من أجزاء المضمحل على السواء وليس مثل هذا الاضمحلال ما يمكن أن ينسب إلى ما من خارج فقط.
ولما كانت أيضًا هذه الأجسام المتنفسة منها متناسلة، ومنها غير متناسلة، وكانت المتناسلة هي التي يمكن فيها أن توجد مثلها بالنوع أو شبيهًا بها وذلك بما يوجد عنها من البزور والمني، فإذن هاهنا قوة أخرى تفعل من الغذاء ما شأنه أن يتكون عنه مثل الشخص الذي توجد له هذه القوة.
وبين من هذا أن هذه القوة فاعلة وأنها نفس، وأن آلتها هي الحرارة الغريزية، إذ كان لا فرق بين هذه القوة والقوة الغاذية، إلا أن هذه القوة شأنها أن تفعل مما هو بالقوة شخص من نوعه شخصًا بالفعل، والغاذية إنما تفعل جزء شخص، وإنما جعلت هذه القوة في الأشياء التي هي موجودة فيها لا على جهة الضرورة، كالحال في القوة الغاذية والنامية بل على جهة الأفضل لتكون لهذه الموجودات حظ من البقاء الأزلي بحسب ما يمكن في طباعها. فإن اقرب شيء إلى الوجود الضروري بالشخص هو هذا الوجود، وكانت هذه الموجودات أعطيت من أول الأمر وجودها وقوة تحفظ بها وجودها.
وأما غير المتناسلة فلم تعط إلا وجودها فقط لأنه لم يمكن فيها أكثر من ذلك.
فهاهنا إذن ثلاث قوى: أولها الغاذية هي كالهيولى لهاتين القوتين، أعني النامية، والمولدة. إذ كان قد توجد الغاذية دونهما وليس توجد أن دون الغاذية. أما المولدة فكأنها تمام القوة النامية، ولذلك ما تصرف الطباع الفضلة من الغذاء الذي كان بها النمو عند كمال النمو إلى التوليد فتكون منها البزور والمني، وهذه القوة أعني قوة التوليد قد يمكن أيضًا أن تفارق الغاذية، وذلك في آخر العمر. وأما مفارقة الغاذية فهو موت، فقد تبين من هذا القول ما النفس الغاذية والمنمية والمولدة، وأي آلة آلتها، ولم كان كل واحد منها في الجسم المتنفس فلنقل في القوة التي تتلو هذه في الحيوان وهي قوة الحس.
القول في القوة الحساسة
وهذه القوة بين من أمرها أنها قوة منفعلة، إذ كانت توجد مرة بالقوة ومرة بالفعل، وهذه القوة منها قريبة ومنها بعيدة والبعيدة كالقوة التي في الجنين على أن يحس، والقريبة كقوة النائم والمغمض عينه على أن يحس، وبين مما تقدم أن ما بالقوة من جهة ما هو بالقوة منسوب إلى الهيولى، وأن خروج القوة إلى الفعل تغير أو تابع لتغير، وأن كل متغير فله مغير ومحرك يعطي المتحرك شبيه ما في جوهره. وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن نتعرف من أمر هذه القوة أي وجود وجودها وما المحرك لها وعلى أي جهة تقبل التحريك.
فنقول أما القوة البعيدة وهي التي تكون في الجنين فقد تبين أي وجود وجودها في كتاب الحيوان، والمحرك لها هو ضرورة غير المحرك للقوة القريبة، إذ كان بهذا تكون القوتان اثنين، وقد تبين وجود هذا المحرك في كتاب الحيوان.
وأما المحرك للقوة القريبة فبين من أمره أنه المحسوسات بالفعل، والذي ينبغي هاهنا أن نطلب أي وجود وجود هذه القوة وعلى أي جهة تقبل التحريك عن المحسوسات.
فنقول إنه من البين مما تقدم أن القوة تقال على ثلاثة أضرب:
1 / 5
أولاها بالتقديم والتحقيق القوة المنسوبة إلى الهيولى الأولى، إذ كانت الهيولى الأولى إنما الوجود لها من جهة ما هي قوة محضة. ولذلك لم يمكن في مثل هذه القوة أن تفارق بالجنس الصورة التي هي قوية أولًا عليها بل متى تعرت عن الصورة التي فيها تلبست بصورة أخرى من جنسها، كالحال في الماء والنار.
وبالجملة في الأجسام البسائط، ثم من بعد هذه القوة الموجودة في صور هذه الأجسام البسيطة على صور الأجسام المتشابهة الأجزاء، وهذه القوة هي متأخرة عن تلك، إذ كان يمكنِ فيها أن تفارق صورة الشيء الذي هي قوية عليه بالجنس، وهي أيضًا حين تقبل الكمال والفعل ليس تخلع صورتها كل الخلع، كالحال في القوة الموجودة في الأجسام البسيطة، ولذلك لسنا نقول أن صور الأسطقسات موجودة بالقوة في الجسم المتشابه الأجزاء على جهة ما نقول أن الماء بالقوة هواء أو نار بل بنحو متوسط على ما تبين في كتاب الكون والفساد. فكأن هذه القوة الثانية شأنها فعل ما، إذ كان السبب في وجودها القوة الأولى مقترنة بالصورة البسيطة لا القوة وحدها.
ثم تتلو هذه في المرتبة القوة الموجودة في بعض الأجسام المتشابهة الأجزاء كالقوة التي في الحرارة الغريزية مثلًا أو ما يناسبها الموضوعة في النبات والحيوان للنفس الغاذية. م وتفارق هذه القوة القوة التي في صور الأسطقسات على الأجسام المتشابهة الأجزاء أن هذه إذا قبلت ما بالفعل لم يتغير الموضوع لها ضربًا من التغير لا قليلًا ولا كثيرًا، ولذلك كان فساد هذه ليس إلى الضد بل إلى العدم فقط، فكأن هذه القوة قد شابهت الفعل أكثر من تلك، ولذلك ما قبل أن معطي الصورة المزاجية التي بها شان موضوعها أن تقبل هذا الكمال أحد الأمرين: إما نفس في المتناسل من ذوات النفوس. وإما حرارة الكواكب في غير المتناسل لكن هذه القوة إذا وجدت على كمالها في النبات فليس يوجد فيها استعداد لقبول صورة أخرى.
وإما إذا وجدت في الحيوان فإنه يلفي فيها استعدادًا لقبول صورة أخرى وهي الصورة المحسوسة، وإنما عرض لها ذلك من جهة اختلاف استعداد موضوعها في النبات والحيوان، إلا من جهة ما هي قوة غاذية. وهذا الاستعداد الذي يوجد في القوة الغاذية لقبول المحسوسات الذي هو الكمال الأول للحس ليس الموضوع القريب له شيئًا غير النفس الغاذية، وهذه القوة وهذا الاستعداد كأنه شيء ما بالفعل إلا انه ليس على كماله الأخير، فإن الحيوان النائم قد يرى أنه ذو نفس حساسة بالفعل.
ولذلك ما يشبه أرسطو هذه القوة بالقوة التي في العالم حين لا يستعمل علمه، لكن ليست هيِ بالقوة من جهة ما هي بالفعل. فإنما هي بالقوة شيئًا ما ليس هو شيئًا ما بالفعل مما هو قوي عليه، بل أن كان شيئًا ما بالفعل فلا من جهة ما هو قوي، إذ كان الفعل والقوة متناقضتين. لكن لما كانت القوة لا تعرى من الفعل لزم أن توجد إما فعل ما غير تام، وإما أن توجد مقترنة بصورة أخرى مغايرة للصورة التي هي قوية عليها من غير أن تكون هي في نفسها شيئًا، وإذا كانت القوة ذات صور فإما أن تكون الصورة التي في الموضوع مضادة للصورة الواردة فتفسد صورة الموضوع عند ورودها إما فسادًا تامًا كالحال في صور البسائط، وإما فسادا ما غير محض كالحال في صور البسائط عند حلول صور المتشابهة الأجزاء فيها.
وإما أن لا تكون بينهما مضادة أصلًا ولا مغايرة بل مناسبة تامة، فيبقى الموضوع عند الاستكمال على حاله قبل الاستكمال، بل لا يمكن وجود الاستكمال إلا أن يبقى الموضوع على حاله قبل الاستكمال كالحال في القوة التي في المتعلم على التعلم، وهذه القوة التي هي فعل غير تام ليس يحتاج في وجودها إلى صورة هي موجودة إلا بالعرض، كالحال في النفس الغاذية مع الحسية التي هي الكمال الأول.
1 / 6
وبين من هذا أن هذه القوة، أعني الكمال الأول للحس مباينة بالرتبة لتلك القوى التي تقدمت. إذ كان الموضوع لها نفس ما، ولذلك ما كان قبول هذه القوة كمالها الأخير عن المحرك لها ليس من جنس قبول القوى الهيولانية التي عددنا كمالاتها عن المحركين لها. فإن المحرك هنالك إنما يعطي الهيولى صورة شبيهة بالصورة الموجودة فيه وعلى الحال التي توجد فيه، ومثال ذلك أن النار إذا كونت نارًا أخرى وصيرتها بالفعل، فإنما يعطي ذلك الموضوع صورة شبيهة بصورتها ويكون حال وجودها في الهيولى هي هي بعينها حال وجود الصورة الفاعلة في هيولاها.
وأما قوة الحس فليمس الأمر فيها كذلك فإنه ليس موجود اللون مثلًا في هذه القوة هو بعينه وجوده خارج النفس، فإن وجوده في هيولاه خارج النفس وجود هو به منقسم بانقسام الهيولى.
وأما وجوده في القوة الحساسة فليس بمنقسم أصلًا بانقسام هيولاه، ولذلك أمكن أن يستكمل بالجسم الكبير جدًا والصغير على حالة واحدة وبموضوع واحد، حتى يكون مثلًا الرطوبة الجليدية على صغرها تقبل نصف كرة الفلك وتؤديه إلى هذه القوة، كما تقبل صورة الجسم الصغير جدًا ولو كان هذا الاستكمال منقسمًا بانقسام الهيولى لم يكن ذلك فيه.
وأيضًا فإنا نجد هذه الصورة تستكمل بالمتضادين معًا في موضوع واحد، فنحكم عليهما كالقوة المبصرة التي تدرك السواد والبياض معًا. ولذلك يصير للمحسوسات بهذه القوة وجود أشرف مما كان لها في هيولاها خارج النفس. فإن معنى هذا الاستكمال ليس شيئًا غير وجود معنى المحسوسات مجردًا من هيولاه، لكن بوجه ما له نسبة شخصية إلى هيولى بها صار معنى شخصيًا. وإلا كان عقلًا على ما سنبين بعد عند القول في القوة الناطقة، وهذا أول مرتبة من مراتب تجرد الصور الهيولانية فيه. فهذه القوة إذن هي القوة التي من شأنها أن يستكمل بمعاني الأمور المحسوسة، أعني القوة الحسية من جهة ما هي معان شخصية.
وبين مما قلنا أن مثل هذه الصورة الحسية كائنة فاسدة، إذ كانت توجد بالقوة تارة وبالفعل تارة، وما بالقوة من جهة ما هو بالقوة فهو حادث ضرورة، إذ كانت القوة هي أخص أسباب الحدوث. وأيضًا لو كانت أزلية لكان مثلًا هذا اللون موجودًا قبل وجوده فتكون الأعراض مفارقة، ولم يكن للمحسوسات غناء في الإدراك حتى كان يكون الإحساس في غيبتها وحضورها بحال واحدة، وهذا كله شنيع. وأيضًا فهي بوجه ما تستعمل آلة جسمانية إذ كان الموضوع الأول لها، أعني النفس الغاذية صورة في مادة ولذلك يلحقها الكلال ولا تتم فعلها إلا بأعضاء محدودة، فإن الإبصار إنما يكون بالعين والسمع بالأذن.
قوى النفس الحساسة
وإذا قلنا ما هي النفس الحساسة بإطلاق فقد ينبغي بعد هذا أن نصير إلى القول في واحدة واحدة من قواها. فنقول أن أقدم هذه القوى وجودًا بالزمان هي قوة اللمس ولذلك قد توجد هذه القوة معراة عن سائر الحواس، كما يوجد ذلك في الإسفنج البحري وغير ذلك مما هو متوسط الوجود بين النبات والحيوان، ولا توجد سائر القوى معراة منها وإنما كان ذلك كذلك لأن هذه القوة أكثر ضرورية في وجود الحيوان من سائر قوى الحس، إذ لولا هي لكانت ستفسده الأشياء التي من خارج وبخاصة عند النقلة.
ثم من بعد هذه القوة قوة الذوق فإنها أيضًا لمس ما، وأيضًا فإنها القوة التي بها يختار الحيوان الملائم من الغذاء من غير الملائم.
ثم قوة الشم أيضًا إذ كانت هذه القوة أكثر ما يستعملها الحيوان في الاستدلال على الغذاء كالحال في النمل والنحل، وبالجملة فهذه الثلاث القوى هي القوى الضرورية أكثر ذلك في وجود الحيوان.
وأما قوة السمع والإبصار فموجودة في الحيوان من أجل الأفضل لا من اجل الضرورة، ولذلك كان الحيوان المعروف بالخلد لا بصر له.
ويجب قبل أن نشرع في القول في هذه الحواس أن نقدم من أمر المحسوسات ما يتوصل به إلى القول في واحدة واحدة من هذه القوى. فإنا، إنما نسير أكثر ذلك في هذا العلم كما قيل غير ما مرة من الأعرف عندنا إلى الأعرف عند الطباع.
1 / 7
فنقول أن الأمور المحسوسة منها قريبة، ومنها بعيدة، والقريبة معدودة فيها بالذات، والبعيدة معدودة فيها بالعرض، والذي بالذات منها ما هي خاصة بحاسة حاسة ومنها مشتركة لأكثر من حاسة واحدة، فالخاصة هي مثل الألوان للبصر، والأصوات للسمع والطعوم للذوق، والرائحة للشم، والحرارة والبرودة للمس، وأما المشتركة لأكثر من خاصة واحدة فالحركة والسكون والعدد والشكل والمقدار.
أما الحركة والعدد فيدركهما جميع الحواس الخمس وذلك بين بن أمرهما٠ وأما الشكل والمقدار فمشتركان للبصر واللمس فقط، والغلط إنما يقع أكثر ذلك للحواس في هذه المحسوسات المشتركة كمن يخيل إليه حين يسير في النهر أن الشطوط تتحرك، وأما المحسوسات بالعرض فمثل أن يحس أن هذا حي وهذا ميت، وهذا زيد وهذا عمرو، وهذه المحسوسات الغلط فيها أكثر منه في المشتركة، ولذلك قد يحتاج في تميزها أن يستعمل في ذلك اكثر من حاسة واحدة كما يستعمل ذلك الأطباء فيمن به انطباق العروق، فإنهم قد يقصدونه مرة ومرة يجعلون مرآة عند أنفه ليظهر لهم فيها أثر التنفس.
وإذ قد تبين ما هي المحسوسات الخاصة والمشتركة فلنبدأ أولًا بالقول في القوى التي تخص محسوسًا محسوسًا من المحسوسات الخاصة ثم نسير ذلك إلى القول في القوة التي محسوساتها مشتركة، وهي المعروفة بالحس المشترك، ولنبدأ على عادتهم من القول في البصر.
الحواس الخمس
القول في قوة البصر
وهذه القوة هي التي من شانها أن تقبل معاني الألوان مجردة عن الهيولى من جهة ما هيِ معان شخصية، وذلك بين مما تقدم إذ كانت تدرك المتضادين معًا كما قلنا.
والذي بقي علينا من أمرها أن نبين كيف يكون هذا القبول وبأي شيء يكون، وبالجملة جميع الأشياء التي تتقوم هذا الإدراك فنقول لما كانت المحسوسات بعضها مماسة للحواس وملاقية لها كمحسوسات اللمس والذوق، وبعضها غير ملاقية ولا مماسة كالبصر والسمع والشم، وكانت المحسوسات هي المحركة للحواس والمخرجة لها من القوة إلى الفعل، والمحرك كما تبين إذا كان محركًا قريبًا فإنما يحرك بأن يماس المحرك، وأن كان بعيدًا فإنما يحركه بتوسط جسم آخر،، إما واحد وإما أكثر من واحد، وذلك بأن يحرك هو الذي يليه ثم يحرك ذلك الأخر الذي يليه إلى أن ينتهي التحريك إلى الأخير.
وأعني هاهنا بالتحريك التغير على العموم سواء كان في زمان أو لم يكن، كالحال في هذا التغير، فبالواجب ما احتاجت هذه الحواس الثلاث إلى متوسط به يكون قبولها للمحسوسات وليس بأية حالة اتفقت حتى يكون هو المتوسط، بل يلزم ضرورة أن يكون بحال يمكنه بها أن يقبل التحريك عن المحسوسات حتى تؤديه إلى الحواس، وليست هذه الحال شيئًا أكثر من أن يكون في نفسه عادمًا لهذه المعاني التي يقبلها عن المحسوسات، حتى يكون لا لون له ولا رائحة وبكون قبوله لها بوجه مناسب لقبول الحاسة، أعني أن لا يكون قبوله هيولانيًا بل بضرب من التوسط بين الهيولاني والروحاني، وهذا أيضًا أحد ما اضطر إلى وجود المتوسط، فإن الطبيعة إنما تفعل بتدريج، ولذلك كانت هذه المحسوسات إذا ألقيت على آلة الحس لم تدرك، وهذه حال الماء والهواء اللذين تدرك بتوسطهما هذه المحسوسات. فقد ظهر من هذا القول ضرورة احتياج هذه الثلاث الحواس إلى المتوسط، وبأي صفة ينبغي أن يكون على العموم، وإنه ليس يمكن أن يكون إبصار ولا واحد من هذه الإدراكات بانخلاء على ما كان يرى كثير ممن سلف من القدماء.
وينبغي أن نرجع إلى ما يخص الأبصار فنقول أن الجسم الذي شأنه أن يقبل اللون من جهة ما هو غير ذي لون هو جسم المشف من جهة ما هو مشف، وهذا القبول ضربان: إما قبول هيولاني. كالحال في الألوان في هيولاها، وإما قبول متوسط بين الهيولاني والروحاني كالحال في ارتسام الألوان في الهواء والماء. وهذا النحو من القبول هي الجهة التي بها يخدم هذان الأسطقسان الإبصار فقط. ولهذا السبب بعينه ما كانت آلة هذا الإدراك وهي العين الغالب على أجزائها الماء والهواء، لكن هذه الأجسام المشفة يظهر من أمرها أنها إنما تقبل الألوان حين هي مشفة بالفعل أي مستضيئة، ولذلك لا يمكن أن يبصر في الظلام وإنما تكون مشفة بالفعل عند حضور المضيء.
1 / 8
فإذن إنما يتفق الأبصار بهذين الأسطقسين وبالضوء. لكن أما الجهة التي بها تخدم هذان الأسطقسان هذه القوة فقد تبينت وأما على أية جهة يفعل ذلك الضوء فقد ينبغي أن نبين ذلك بعد أن نلخص أولًا كم هي الأجسام المضيئة وما الضوء والمستضيئ.
فنقول أما الأجسام المضيئة بالتقديم فنوعان: الجسم الإلهي والنار، إلا أن ذلك بالذات للجسم الإلهي وبالعرض للنار ولذلك لم تكن مضيئة في مكانها. وقد يقال المضيء أيضًا بتأخير على كل ما من شأنه أن يقبل الضوء من غيره ثم يضيء هو في نفسه. وأحرى ما قبل له مضيء من هذا ما كان بحيث يجعل غيره مرئيًا ولم تكن صورة بانعكاس، كالحال في القمر. وأما التي تضيء في نفسها فقط وليست تجعل غير مرئية فكثير من الأصداف التي تضيء بالليل والماء الذي يظهر على المجاذيف.
وليس ما قبل في هذه الأشياء أنها تضيء. من قبل أن لها طبيعة نارية بشيء كما حكى ذلك ثامسطيوس عن المعلم الاسكندر، لأن المضيِء إنما يوجد في الممتزج من جهة ما هو لون ولذلك ليست هذه ألوانًا إلا باشتراك الاسم، وسنبين أكثر في كتاب الحس والمحسوس.
وأيضًا فقد يظهر من أمر هذه أنها بخلاف الألوان، إذ كانت إنما تبصره في الظلمة والألوان في الضوء فقط، حتى قيل أن خاصة اللون أن يحرك للمشف بالفعل والأولى بهذه أن يظن أنها تضيء من جهة أنها تقبل الانعكاس لأنها في طبيعة المرئي، وأن كان ليس يمكن أن تضيء غيرها، وعلى هذه الجهة ترى عيون كثيرة من الحيوان تضيء في الظلام، أو نقول أنه يتحلل عنها في الظلام بخار شأنه أن يعرض عنه مثل هذه الرؤية.
والفحص عن هذا ليس بلائق بهذا الموضع، فإن استقصاء القول في هذه الأشياء هو في كتاب الحس والمحسوس.
وأما الضوء فإنه لما كان غير جسم أصلًا بدليل انه مشع بكلية في كلية الأجسام المشفة ويحدث في غير زمان، ولم يمكن فيما هذا شأنه أن يفارق لم يكن الضوء شيئًا غير كمال المشف بما هو مشف. والمستضيئ هو الذي يقبل الضوء، والضوء إنما يفعل الإضاءة في المستضيئ إذا كان منه ذا وضع محدود وقدر محدود.
وهذا بين أن الإضاءة من الكمالات التي ليست منقسمة بانقسام الجسم، ولا حاصلة في زمان، لكن إذا كان هذا كله هكذا فعلى أي جهة ليت شعري يكون للضوء مدخل في تتميم هذا الإدراك.
وذلك يمكن أن يتصور على أحد وجهين: إما أن يكون الضوء هو الذي يعطي الجسم المتوسط الاستعداد الذي به يمكن أن يقبل الألوان فقط حتى تؤديها إلى الحاسة وهو الإشفاف بالفعل حتى يكون اللون إنما يحرك المشف من جهة ما هو مشف بالفعل، وتكون الألوان على هذا موجودة بالفعل في الظلام.
وبالقوة محركة للإبصار على جهة ما نقول في العالم إنه معلم بالقوة إذا لم يكن له متعلم أو تكون الألوان موجودة في الظلام بالقوة الحقيقية، حتى يكون الضوء هو المحرك لها من القوة إلى الفعل. فنقول إنه قد تبين في كتاب الحس والمحسوس أن اللون هو اختلاط الجسم المشف بالفعل، وهو النار مع الجسم الذي لا يمكن فيه أن يستشف وهو الأرض.
وإذا كان كذلك فاللون ضوء ما وهو يستكمل ضرورة على نحو ما بالضوء الذي من خارج وتقوى.
وقد يظهر ذلك من أنا متى نظرنا إلى الألوان الواحدة بعينها في الظل والشمس وعند مرور السحاب عليها وانكشافها رأيناها بألوان مختلفة في الزيادة والنقصان، وذلك مما يدل على أنها تستكمل بالضوء الذي من خارج استكمالًا ما، ولذلك ما قبل أن الضوء هو الفاعل للإبصار.
فقد تبين من هذا القول ما هي هذه القوة وبأي شيء تدرك وكيف تدرك.
وأما القول في مدركها وهي الألوان فأليق المواضع بذلك كتاب الحس والمحسوس٠
القول في السمع
وهذه القوة هي الِقوة التي شأنها أن تستكمل معاني الآثار الحادثة في الهواء من مقارعة الأجسام بعضها بعضًا المسماة أصواتًا، وهذا كله بين مما تقدم. فإما بأي شيء يكون هذا الإدراك وعما يكون والنحو الذي به يكون فنحن نقول فيه.
1 / 9
أما الذي عنه يكون فهي مقارعة الأجسام بعضها بعضًا، لكن ليس عن أي جسم أتفق يحدث الصوت ولا بأي نوع أتفق، بل يحتاج في أن يكون القارع والمقروع كلاهما صلدان، وأن تكون حركة القارع إلى المقروع أسرع من تشذب الهواء. فإنا إذا أدنينا جسمًا في غاية الصلابة من جسم آخر في غاية من الصلابة أيضًا برفق وبمهل لم يحدث عن ذلك صحوت له قدر، وكذلك أيضًا أن لم تكن الأجسام القارعة والمقروعة صلدة.
فإما أن لا يحدث صوت أصلًا، فأما أن حدث فبشدة حركة كما يعرض ذلك عن السياط التي يضرب بها، وقد تعين على حدوث الصوت أشكال المقروعات مثل أن تكون مجوفة أو عريضة، وسنبين سبب هذا كله.
وأما ما به يكون هذا الإدراك فهو الماء والهواء، وذلك انه قد تبين أن هذا المحسوس هو ضرورة من المحسوسات التي تدرك بمتوسط إذ كانت غير ملاقية للحاس، إلا أن الجهة التي بها يخدم هذا المتوسط واحدًا واحدًا من هذه الحواس غير الجهة التي بها يخدم الأخرى، وهي كلها يجتمع في أن هذا المتوسط يخدمها من جهة ما هو عادم للمعاني التي يقبل منها فيؤديها، إذ هذه هي صفة القابل وأن كانت تختلف جهات ذلك.
أما الجهة التي بها تخدم الأبصار فهو الإشفاف، وقد تبين ذلك.
وأما الجهة التي بها تخدم هذا الإدراك الذي هو السمع فهو سرعة في له للحركة والتشكل بها وأن تبقى الحركة فيه، وقد كف المتحرك ويبقى ذلك الشكل الحادث عنها فيه زمانًا كالحال التي تعرض للماء عندما يلقى فيه بالحجر، فإن هذه الحال بعينها تعرض للهواء من القرع.
وقد قيل في غير هذا الموضع كيف تكون هذه الحركة في الماء والهواء. ولما كان المتوسط إنما يؤدي القرع بالحركة التي تعرض فيه وكانت كل حركة في زمان كان هذا الإدراك أيضًا في زمان بخلاف ما عليه الأمر في الأبصار. ولذلك ما يسمع الرعد بعد رؤية البرق والسبب الفاعل لهما واحد على ما تبين في الآثار.
فأما العلة التي من أجلها يكون الصوت عن الأجسام الصلدة فلأنها إذا تلافت بسطوحها لم يتطامن بعضها عن بعض فيطفو الهواء عنها بشدة، ولذلك ما كان منها أعرض كان صوته أعظم لأنه يلقى من الهواء أكثر.
وأما ذوات الأشكال المجوفة فالأمر في ذلك بين، وذلك أن الهواء يندفع من جوانبها مرارًا كثيرة فيحدث هنالك الصوت طول لبث ومن هذا الجنس هو حدوث الصداء، وذلك أنه ليس شيئًا أكثر من انعكاس الهواء عن الجسم الذي يلقاه حافظًا لذلك الشكل الذي به عن القرع حتى يحرك الهواء المرتب في الأذنين الذي هو الآلة القريبة للسمع كما يقول أرسطو مرة ثانية، ومنزلة هذا الهواء من السمع منزله الرطوبة الجليدية من الإبصار، ويشبه أن يكون الأمر كما يقول ثامسطيوس انه ليس هاهنا قرع إلا ويحدث عنه انعكاس ما، ولولا ذلك لم يسمع الإنسان صوت نفسه، كما أنه ليس تحدث رؤية إلا عن انعكاس الشعاع. ولولا ذلك لم يبصر في الظل، لكن أليق المواضع بذكر هذه اللواحق وتفصيلها هو كتاب الحس والمحسوس. وكذلك أيضًا القول في ماهية التصويت الموجود للحيوان، وبأي شيء وجوده أليق المواضع بذكره هو ذلك الكتاب وكتاب الحيوان، وأن كان يظهر من قرب الفرق بينهما وبين الأصوات التي تحدث عن الأجسام، فإن التصويت وهو المسمى نغمة هو الذي يكون عن الحيوان بما هو حيوان، وذلك إنما يكون عن تخيل ما وشوق وبآلة محدودة وهي آلات التنفس.
والدليل على أن التصويت يحدث عن قرع آلات التنفس الهواء الذي به يكون التنفس إنا لا نقدر أن نتنفس ونصوت معًا، ولكون النغمة لا تحدث إلا عن تخيل لا يسمى السعال نغمة.
فأما الحيوانات التي تصوت وهي غير متنفسة كالحيوان المعروف بصرار الليل أو صرار الهواجر، فإنما يصوت بحرقة. فقد قلنا ما هي هذه القوة وما يدركها وبأي شيء يكون هذا الإدراك وكيف يكون.
القول في الشم
وهذه القوة هي القوة التي من شانها أن تقبل معاني الأمور المشمومة وهي الروائح، وليست فصول الروائح عندنا بينة كفصول الطعوم، وإنما نكاد أن نسميها من فصول الطعوم حتى نقول رائحة حلوة ورائحة طيبة، ولشبه أن تكون هذه الحاسة فينا اضعف منها في كثير من الحيوان كالنسر والنحل وما أشبههما من الحيوان القوي الشم.
1 / 10