368

من نزلها بعد المغرب ونحن والحمد لله في جماعة لا نسير إلا آخر الركب صونا للضعفاء ومن بقي رحله وقد بقي رحل ولد الشيخ الناصح والقطب الواضح سيدي محمد بن عبد الله بن أبي جملين المسيلي الغوث فرفعناه على بغالنا إلى أن لقينا صاحبه سيدي أحمد فرفعه وبعد ذلك والحمد لله سرنا ساعات فدخلنا التيه الذي تاه فيه بنو إسرائيل وقد سبق ما فيه من الكلام ما أوحشه من موضع وأصعبه من محل لكثرة حره وشدة أمره مع انعدام الماء فيه وقد كثر فيه الهلاك من العطش زمان الحر فلا تجد من يسخى بالماء إلا من قوي يقينه وغلب عليه الرقة والشفقة والرحمة والخوف من الله تعالى ترى القوم فيه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية من ثوران الحر في ذلك الموضع إلا أن رحمة الله واسعة ورأفته قوية ونعمته بالحجيج شاملة خصوصا أهل المعرفة بالله تعالى فلا تراهم فيه وفي غيره مما هو نظيره في الصعبة إلا كالعرائس تتلألأ وجوههم نورا وتنبسط أثار محبة الله في طلعة خدهم علما منهم أن غاية أمرهم غيهم عن اليم ما هم فيه وهو بيت الله وحرمه وكذا حضرة الله وحضرة رسوله صلى الله عليه وسلم وحرمه أيضا فلما شهدوا مطلوبهم غيبهم ذلك عما لا قوه من العذاب وبعد تلك المرحلة وصلنا بندر النخيل فنزلنا عند الضحى الأعلى والله اعلم في فرح وسرور لما سلمنا من أرض التيه.

وقد مات لنا واحد من أصحابنا وهو رجل من العامة رجل صالح مديم للصوم كثير الصمت قليل الاضطراب فلا ترى عليه إلا آثار الخير دائما وهو الحاج محمد بن مدشر اسمامة من قرى بني ورثيلان وبندر النخيل بندر عظيم فيه عسكر كما في عجرود وفيه أسواق فكل ما تريده موجود لأنه يأتي من ناحية الشام أناس بذلك أي من بيت المقدس وقربها محل فيه أبسط الخيرات وأنواعه الملذوذات لا سيما الفواكه في زمانها فلا ترها في غير ذل المحل والشكر لله تعالى وهذا البندر رحمة للحجاج فوضعوا فيه أمتعتهم تخفيفا ورحمة بالإبل إلى أن يرجعوا وكذا اشترى من

Страница 392