Ричард Фейнман: его жизнь в науке
ريتشارد فاينمان: حياته في العلم
Жанры
ومع بدء تحول تيار الاهتمام بعيدا عن شفينجر ، لم يكن هذا الأخير غافلا عن ذلك، وقد علق فيما بعد بقوله: «كانت هناك رؤى حرة، تذيع وتنتشر بأسلوب قريب إلى حد ما من أسلوب الحواريين، الذي استخدم المنطق الإغريقي في تقديم إله اليهود إلى عبدة الأوثان.» ثم أصدر شفينجر بعدها إطراء آخر، ربما كان أكثر تعبيرا عن رؤيته أن التنوير لا يتحقق إلا لأولئك المستعدين لتحمل أشق المعاناة: «مثل رقاقة السليكون التي ظهرت في سنوات أقرب، كان مخطط فاينمان يعمل على إتاحة العمليات الحسابية للعامة.»
درس المؤرخ ديفيد كايزر «انتشار» أسلوب فاينمان المعتمد على المخططات في أوساط مجتمع علماء الفيزياء خلال السنوات التي سبقت، وتلت، مباشرة تاريخ نشر أبحاثه. وحسبما أوضح كايزر، كان هذا الانتشار يزداد بصورة أسية، ويتضاعف كل عامين تقريبا، وبحلول عام 1955، احتوى حوالي 150 بحثا على مخططات فاينمان. وما بدأ في صورة فضول لم يفهمه سوى فاينمان وحده وبعض من زملائه في كورنيل، ثم دايسون وآخرين في معهد الدراسة المتقدمة وبعض الأماكن الأخرى، استمر ليصبح أسلوبا ظل يظهر منذ ذلك الحين في كل عدد يصدر من أعداد دورية فيزيكال ريفيوز؛ وهي الدورية المرجعية القياسية للمتخصصين في ذلك المجال. وما بدأ في صورة جهد يهدف للتعامل مع الديناميكا الكهربائية الكمية صار الآن يستخدم في جميع مجالات علم الفيزياء تقريبا.
كان فاينمان ودايسون مختلفين أشد الاختلاف في فهم مخططات فاينمان في واقع الأمر. ففاينمان - متأثرا بصور الزمكان التي رسمها هو نفسه، وبأسلوب حاصل جمع المسارات الذي ابتكره، وبإصراره على التفكير في الجسيمات وهي تتحرك لا في مجالات الكم - اعتبر تلك المخططات صورا حقيقية لعمليات فيزيائية تتقافز فيها الإلكترونات من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان (للأمام وللخلف). وبناء على تلك الصور دون صيغه، واستطاع بعد ذلك أن يفحص ويتحقق ليرى إن كانت تلك الصيغ ستنتج حلولا صحيحة أم لا. لقد كان ذلك بحق جهدا ذاتيا غير معتمد على أساس جوهري راسخ بخلاف حدسه المميز المثير للإعجاب.
وجاءت أعمال دايسون لتغير كل هذا. فقد أوضح كيف يمكن أن تنتج المخططات عن مجموعات أساسية من المعادلات المبنية على نظرية مجال الكم. من وجهة نظر دايسون، كان كل جزء من كل مخطط يمثل حدا واضح المعالم في سلسلة من المعادلات. كانت المخططات بمنزلة عكاز يساعد على شرح المعادلات، ولم تكن «قواعد فاينمان» الموضوعة لترجمة المخططات إلى معادلات مخصصة لهذا الغرض تحديدا، كما وضعها فاينمان، وإنما كان يمكن تبرير وجودها ودعمه بواسطة معالجات محددة للمعادلات المرتبطة بميكانيكا الكم والنسبية الخاصة. وربما لهذا السبب، جاء تبني مخططات فاينمان بسرعة أكبر من تبني نهج الزمكان وتكامل المسار الذي ابتكره في الفيزياء، وهو الأسلوب الذي سيستغرق بضعة عقود أخرى ليغير كليا علم الفيزياء، كما سنرى لاحقا.
أدرك دايسون على الفور كيف يمكن لطرق فاينمان مساعدة البشر على إجراء الحسابات شديدة التعقيد لنظرية مجال الكم بأسلوب منهجي. وعلى حد وصفه لاحقا في مذكراته: «العملية الحسابية التي أجريتها لهانز بيته مستخدما النظرية التقليدية استغرقت عدة شهور من العمل وعدة مئات من الأوراق. وكان في استطاعة ديك فاينمان التوصل لنفس النتيجة، بإجراء العملية الحسابية على سبورة، خلال نصف ساعة.»
جاء شعور فاينمان بأنه قد ولد من جديد، لعلمه أنه حقا اكتشف شيئا مميزا، أثناء اجتماع الجمعية الفيزيائية الأمريكية في يناير 1949 في نيويورك، وهو ذات الاجتماع الذي احتفى فيه روبرت أوبنهايمر وآخرون بأعمال دايسون، أثناء كلمة الرئيس التي ألقاها أوبنهايمر. في ذلك الحين، عندما كان من الممكن جمع كافة العلماء النشطين في أبحاث الفيزياء في البلاد في فندق واحد كبير، ربما صار مؤتمر يناير أهم اجتماع يعقد في مجال الفيزياء في العالم أجمع. في عام 1949، كان المزاج احتفاليا إلى حد بعيد، حيث بدأ الفيزيائيون أخيرا يتبينون المشهد من خلال ضباب قيم ما لانهاية ليفهموا الديناميكا الكهربائية باعتبارها نظرية كم صالحة للعمل. علاوة على ذلك، مع ابتكار أول معجل جسيمات ذي قيمة، وهو السيكلوترون (المسرع الدوراني) قياس 184 بوصة في بيركلي، تم تخليق عدد لا يعد ولا يحصى من الجسيمات الأولية الجديدة التي يتفاعل بعضها مع بعض في ظل القوة النووية الشديدة الغريبة «في ظروف خاضعة للسيطرة وبأعداد هائلة»، على حد وصف فاينمان لاحقا في مقال نقدي كتبه عام 1948 لدورية جديدة اسمها «فيزيكس توداي». كان شعوره بالإثارة تجاه هذا العالم الجديد الغريب من الظواهر، والأمل في أن تتمكن الوسائل الجديدة التي ابتكرت من التعامل مع الديناميكا الكهربائية الكمية، واضحا محسوسا. ولم يأت العامل المحفز لشعور فاينمان بالحماس من المناقشات التي دارت حول الديناميكا الكهربائية الكمية ذاتها، وإنما من الجدل الذي دار حول التفاعلات بين الجسيمات التي خلقت حديثا والمسماة «ميزونات».
كان فيزيائي شاب، اسمه موراي سلوتنيك، قد استخدم طرق الحساب السابقة على أساليب فاينمان في نظرية مجال الكم ليحدد، بجهد هائل، تأثيرات تلك الأنواع الجديدة من الجسيمات إذا جرى تبادلها في صورة جسيمات حقيقية بين نيوترونات النواة والإلكترونات التي تدور حولها. وقد اكتشف أن نمطا واحدا فقط من التفاعل المحتمل من شأنه إحداث نتائج ذات قيم محددة، قام بحسابها لاحقا. وقدم سلوتنيك بحثه في إحدى جلسات الاجتماع.
بعد الانتهاء من محاضرته، نهض أوبنهايمر وبطريقته المعتادة دحض بسرعة وبقسوة نتائج سلوتنيك. وزعم أوبنهايمر أن أحد الباحثين الحاصلين على الدكتوراه من المعهد قد أثبت نظرية عامة تقول إن جميع التفاعلات المختلفة الممكنة الحدوث للميزون ستكون لها نفس التأثيرات على التفاعلات بين النيوترون والإلكترون، وهي نتيجة تتعارض بوضوح مع زعم سلوتنيك.
من الواضح أن فاينمان لم يصل إلا بعد انتهاء تلك الجلسة، لكنه أبلغ بالجدل الجديد الدائر، فطلب التعليق وإبداء رأيه الشخصي حول من هو على صواب. حتى هذه اللحظة لم يكن فاينمان قد أجرى أي حسابات نظرية تتعلق بالميزونات، غير أنه في ذلك المساء، بعد أن شرح له أحدهم ما تقوله النظريات، ترجم أساليبه في الديناميكا الكهربائية الكمية إلى هذا السياق الجديد، وأمضى عدة ساعات في حساب مختلف النظريات العديدة المحتملة عن الميزون. وفي الصباح قارن نتائجه بتلك التي توصل إليها سلوتنيك، الذي أجرى حسابه فقط في إطار حد خاص من حدود النظرية. كان فاينمان قد أجرى حساباته بتعميم كامل، لكنه عندما ألزم نفسه بالحد الذي استخدمه سلوتنيك، اتفقت نتائجهما.
اطمئن قلب سلوتنيك دون شك بالنتيجة التي توصل إليها فاينمان، وأصابه الذهول أيضا. فقد قضى ما يقرب من عامين في صياغة وإتمام عملية حسابية أجراها فاينمان في أمسية واحدة! ومن ناحية فاينمان، كان هذا الإدراك سببا في شعوره بنشوة هائلة؛ فحينئذ، وحينئذ فقط، أدرك القدرة الحقيقية لأساليبه الجديدة. وقد قال عن ذلك لاحقا: «عندئذ علمت حقا أن لدي شيئا ما. لم أكن أعلم حقيقة أنني أمتلك شيئا بتلك الروعة إلا عندما حدث هذا. كانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها فعلا أنه ينبغي علي نشر عملي، وأنني سبقت العالم ... كانت اللحظة التي نلت فيها جائزة نوبل عندما أخبرني سلوتنيك أنه ظل يعمل على تلك المسألة طيلة عامين. أما عندما تسلمت الجائزة فعلا فلم يكن ذلك بالأمر الجلل، لأنني كنت أعلم مسبقا أنني نجحت. لقد كانت تلك لحظة مثيرة.»
Неизвестная страница