Равдат аль-укала и нузхат аль-фадлала
روضة العقلاء
Редактор
محمد محي الدين عبد الحميد
Издатель
دار الكتب العلمية
Место издания
بيروت
Регионы
•Афганистан
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية المتعزز بعظمة الربوبية القائم على نفوس العالم بآجالها والعالم بتقلبها وأحوالها المان عليهم بتواتر آلائه المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير فمضت فيهم بقدرته مشيئته ونفذت فيهم بعزته إرادته فألهمهم حسن الإطلاق وركب فيهم تشعب الأخلاق فهم على طبقات أقدارهم يمشون وعلى تشعب أخلاقهم يدورون وفيما قضى وقدر عليهم يهيمون و(٢٣ ٥٣ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾)
وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا ومنشيء الأرضين والثرى لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه (٢١ ٢٣ ﴿لا يُسْأَلُ عما يفعل وهم يسألون﴾)
وأشهد أن محمدا عبده المجتبى ورسوله المرتضى بعثه بالنور المضي والأمر المرضي على حين فترة من الرسل ودروس من السبل فدمغ به الطغيان وأكمل به الإيمان وأظهره على كل الأديان وقمع به أهل الأوثان ف ﷺ مَا دار في السماء فلك وما سبح في الملكوت ملك وعلى آله أجمعين ٠
أما بعد فإن الزمان قد تبين للعاقل تغيره ولاح للبيب تبدله حيث يبس ضرعه بعد الغزارة وذبل فرعه بعد النضارة ونحل عوده بعد الرطوبة وبشع مذاقه بعد العذوبة فنبع فيه أقوام يدعون التمكن من العقل باستعمال ضد مَا يوجب العقل من شهوات صدورهم وترك مَا يوجبه نفس العقل بهجسات
1 / 14
قلوبهم جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عَلَيْهِ عند المعضلات النفاق والمداهنة وفروعه عند ورود النائبات حسن اللباس والفصاحة وزعموا أن من أحكم هذه الأشياء الأربع فهو العاقل الذي يجب الاقتداء به ومن تخلف عَن إحكامها فهو الأنوك الذي يجب الإزورار عنه ٠
فلما رأيت الرعاع من العالم يغترون بأفعالهم والهمج من الناس يقتدون بأمثالهم دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل متضمنه على معنى لطيف مما يحتاج إليه العقلاء في أيامهم من معرفة الأحوال في أوقاتهم ليكون كالتذكرة لدوي الحجى عند حضرتهم وكالمعين لأولى النهى عند غيبتهم يفوق العالم به أقارنه والحافظ له أترابه يكون النديم الصادق للعاقل في الخلوات والمؤنس الحافظ له في الفلوات إن خص به من يجب من إخوانه لم يفتقده من ديوانه وإن استبد به دون أوليائه فاق به على نظرائه ٠
أبين فيه مَا يحسن للعاقل استعماله من الخصال المحمودة ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومة مع القصد في لزوم الاقتصار وترك الإمعان في الإكثار ليخف على حامله وتعيه أذن مستمعه لأن فنون الأخبار وأنواع الأشعار إذا استقصى المجتهد في إطالتها فليس يرجو النهاية إلى غايتها ومن لم يرج التمكن من الكمال في الإكثار كان حقيقا أن يقنع بالاختصار ٠
والله الموفق للسداد والهادي إلى الرشاد وإياه أسأل إصلاح بالأسرار وترك المعاقبة على الأوزار إنه جواد كريم رءوف رحيم ٠
1 / 15
ذكر الحث على لزوم العقل وصفة العاقل اللبيب
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبُّوَيْهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا
قال أَبُو حاتم لست أحفظ عَن النَّبِيّ ﷺ خبرا صحيحا في العقل لأن أبان بن أبي عياش وسلمة بْن وردان وعمير بن عمران وعلي ابن زيد والحسن بْن دينار وعباد بن كثير ومسيرة بن عبد ربه وداود ابن المحبر ومنصور بن صفر وذويهم ليسوا ممن أحتج بأخبارهم فأخرج مَا عندهم من الأحاديث في العقل ٠
وإن محبة المرء المكارم من الأخلاق وكراهته سفسافها هو نفس العقل ٠ فالعقل به يكون الحظ ويؤنس الغربة وينفي الفاقة ولا مال أفضل منه ولا يتم دين أحد حتى يتم عقله ٠
والعقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب والعلم باجتناب الخطأ فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديبا ثم أريبا ثم لبيبا ثم عاقلا كما أن الرجل إذا دخل في أول حد الدهاء قِيلَ له شيطان فإذا عتا في الطغيان قِيلَ مارد فإذا زاد على ذلك قِيلَ عبقري فإذا جمع إلى خبثه شدة شر قِيلَ عفريت
1 / 16
وكذلك الجاهل يقال له في أول درجته المائق ثم الرقيع ثم الأنوك ثم الأحمق ٠
وأفضل مواهب اللَّه لعباده العقل ولقد أحسن الذي يقول ... وأفضل قسم اللَّه للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيء يقاربه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه
يزيد الفتى في الناس جودة عقله ... وإن كان محظورا عَلَيْهِ مكاسبه ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن سليمان بْن فارس حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سيار حَدَّثَنَا حبيب الجلاب قَالَ قِيلَ لابن المبارك مَا خير مَا أعطى الرجل قَالَ غريزة عقل قِيلَ فإن لم يكن قَالَ أدب حسن قِيلَ فإن لم يكن قَالَ أخ صالح يستشيره قِيلَ فإن لم يكن قَالَ صمت طويل قِيلَ فإن لم يكن قَالَ موت عاجل
أخبرنا مُحَمَّد بْن داود الرازي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حميد حَدَّثَنَا ابن المبارك قَالَ سئل عقيل مَا أفضل مَا أعطي العبد قَالَ غريزة عقل قَالَ فإن لم يكن قَالَ فأدب حسن قَالَ فإن لم يكن قَالَ فأخ شقيق يستشيره قال فإن لم يكون فطول الصمت قَالَ فإن لم يكن قَالَ فموت عاجل
قال أَبُو حاتم العقل نوعان مطبوع ومسموع فالمطبوع منهما كالأرض والمسموع كالبذر والماء ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له عمل محصول دون أن يرد عَلَيْهِ العقل المسموع فينبهه من رقدته ويطلقه من مكامنه يستخرج البذر والماء مَا في قعور الأرض من كثرة الربع
فالعقل الطبيعي من باطن الإنسان بموضع عروق الشجرة من الأرض والعقل المسموع من ظاهره كتدلي ثمرة الشجرة من فروعها ٠ أنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي
1 / 17
.. رأيت العقل نوعين ... فمطبوع ومسموع
ولا ينفع المسموع ... إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع ...
أخبرنا القطان بالرقة حَدَّثَنَا موسى بْن مروان حَدَّثَنَا بقية عَن عَبْد اللَّه بْن حسان حدثني ابن عامر قَالَ قلت لعطاء بْن أَبِي رباح يا أبا مُحَمَّد مَا أفضل مَا أعطي العبد قَالَ العقل عَن الله
أنشدني أحمد بن عبد الله الصنعاني لعبد اللَّه بْن عكراش ... يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عَلَيْهِ مكاسبه
يشين الفتى في الناس خفة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه ...
قال أَبُو حاتم فالواجب على العاقل أن يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسده من القوت لأن قوت الأجساد المطاعم وقوت العقل الحكم فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب وكذلك العقول إذا فقدت قوتها من الحكمة ماتت ٠
والتقلب في الأمصار والاعتبار بخلق اللَّه مما يزيد المرء عقلا وإن عدم المال في تقلبه ٠
أنشدني عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد المقاتلي ... إن ذا العقل يرى غنما له ... عدم المال إذا مَا العقل صح
ما على المرء بعدم سبة ... إن وفا العقل وإن دين صلح ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن المسيب حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل المدني قَالَ سمعت حاتم ابن إِسْمَاعِيل يقول مَا استودع اللَّه عقلا عبدا إلا استنقذه به يوما مَا قال أَبُو حاتم العقل دواء القلوب ومطية المجتهدين وبذر حراثة الآخرة
1 / 18
وتاج المؤمن في الدنيا وعدته في وقوع النوائب ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزا ولا المال يرفعه قدرا ولا عقل لمن أغفله عَن أخراه مَا يجد من لذة دنياه فكما أن أشد الزمانة الجهل كذلك أشد الفاقة عدم العقل
والعقل والهوى متعاديان فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مسعفا ولهواه مسوفا فإذ اشتبه عَلَيْهِ أمران اجتنب أقربهما من هواه لأن في مجانبته الهوى إصلاح السرائر وبالعقل تصلح الضمائر ٠
أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ ثَنَا ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبيد الله الجشمى حدثنا المداينى قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ عَمَّرَ دَهْرًا أَخْبِرْنِي بِأَحْسَنِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ قَالَ عَقْلٌ طُلِبَ بِهِ مُرُوءَةٌ مَعَ تَقْوَى اللَّهِ وَطَلَبِ الآخِرَةِ
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش ... إذا تم عقل المرء تمت أموره ... وتمت أياديه وتم بناوه
فإن لم يكن عقل تبين نقصه ... ولو كان ذا مال كثيرا عطاؤه ...
أخبرنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا أَبُو كامل الجحدري حَدَّثَنَا عمران بْن خالد الخزاعي قَالَ سمعت الحسن يقول مَا تم دين عَبْد قط حتى يتم عقله قال أَبُو حاتم أفضل ذوي العقول منزلة أدومهم لنفسه محاسبة وأقلهم عنها فترة
فبالعقل تعمر القلوب كما أن بالعلم تستخرج الأحلام وعمود السعادة العقل ورأس الاختيار ولو صور العقل صورة لأظلمت معه الشمس لنوره فقرب العاقل مرجو خيره على كل حال كما أن قرب الجاهل مخوف شره على كل حال ٠
1 / 19
ولا يجب للعاقل أن يغتم لأن الغم لا ينفع وكثرته تزري بالعقل ولا أن يحزن لأن الحزن لا يرد المرزئة ودوامه ينقص العقل
والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه فإذا وقع فيه رَضِيَ وصبر والعاقل لا يخيف أحدا أبدا مَا استطاع ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مذهبا وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه عما يملك من الطارف والتالد مع لزوم العفاف إذ هو قطب شعب العقل
أنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري ... أولست تأمر بالعفاف وبالتقى ... وإليه آل الأمر حين يؤول
فإن استطعت فخذ بعقلك فضله ... إن العقول يرى لها تفضيل ...
أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَصْبَهَانِيُّ بِالْكَرَجِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الطَّاحِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْخَزَّازُ الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ عَلِيٌّ لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ أَتَاهُ جَبْرِيلُ فَقَالَ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ في ثلاثة فَاخْتَرْ وَاحِدَةً وَدَعِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ آدم وما الثلاث فقال الْحَيَاءُ وَالدِّينُ وَالْعَقْلُ فَقَالَ آدَمُ فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ قَالَ فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلْحَيَاءِ وَالدِّينِ انْصَرِفَا وَدَعَاهُ فَقَالا إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ عَرَجَ جِبْرِيلُ وَقَالَ شَأْنَكُمْ
قال أَبُو حاتم من حسن عقله وقبح وجهه فقد أفقد فضائل نفسه قبائح وجهه ومن حسن وجهه وقل عقله فقد أذهب محاسن وجهه نقائص نفسه فلا يجب للعاقل أن يغتم إذا كان معدما لأن العاقل قد يرجى له الغنى ولا يوثق للجاهل المكثر ببقاء ماله ومال العاقل عقله وما قدم من صالح عمله
1 / 20
وآفة العقل الصلف والبلاء المردي والرخاء المفرط لأن البلايا إذا تواترت عَلَيْهِ أهلكت عقله والرخاء إذا تواتر عَلَيْهِ أبطره والعدو العاقل خير للمرء من الصديق الجاهل ٠
أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي ... عدوك ذو العقل أبقى عليك ... من الجاهل الوامق الأحمق
وذو العقل يأتي جميل الأمور ويقصد للأرشد الأرفق ...
أخبرنا مُحَمَّد بْن الحسين بْن قتيبة بعسقلان حَدَّثَنَا ابن أَبِي السري حَدَّثَنَا داود بْن الجراح وضمرة بْن ربيعة عَن خليد بْن دعلج قال سمعت معاوية ابن قرة يقول إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم
سمعت مُحَمَّد بْن محمود بن عدي النسائي يقول سمعت علي بْن خشرم يقول سمعت حفص بْن حميد الأكاف يقول العاقل لا يغبن والورع لا يغبن
قال أَبُو حاتم هذه لفظة جامعة تشتمل على معان شتى فكما لا ينفع الاجتهاد بغير توفيق ولا الجمال بغير حلاوة ولا السرور بغير أمن كذلك لا ينفع العقل بغير ورع ولا الحفظ بغير عمل وكما أن السرور تبع للأمن والقرابة تبع للمودة كذلك المروءات كلها تبع للعقل
وعقول كل قوم على قدر زمانهم فالعاقل يختار من العمر أحسنه وإن قل فإنه خير من الحياة النكدة وإن طالت والعقل الموعى غير المنتفع به كالأرض الطيبة الخراب ٠
والعاقل لا يبتدىء الكلام إلا أن يسأل ولا يكثر التماري إلا عند القبول ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت ٠
1 / 21
والعاقل لا يستحقر أحدا لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته ومن استحقر العام أذهب صيانته ٠
والعاقل لا يخفى عَلَيْهِ عيب نفسه لأن من خفي عَلَيْهِ عيب نفسه خفيت عَلَيْهِ محاسن غيره وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عَلَيْهِ عيبه لأنه ليس بمقلع عَن عيبه من لم يعرفه وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها وما أنفع التجارب للمبتدى ٠
أنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري ... ألم تر أن العقل زين لأهله ... وأن كمال العقل طول التجارب
وقد وعظ الماضي من الدهر ذا النهى ... ويزداد في أيامه بالتجارب ...
أخبرنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا عثمان بْن أبى شيبة حَدَّثَنَا جرير عن الحكم ابن عَبْد اللَّه قَالَ كانت العرب تقول العقل التجارب والحزم سوء الظن
قال أَبُو حاتم لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب
والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره صحيح الاعتبار في صباه حسن العفة عند إدراكه رَضِيَ الشمائل في شبابه ذا الرأي والحزم في كهولته يضع نفسه دون غايته برتوة ثم يجعل لنفسه غاية يقف عندها لأن من جاوز الغاية في كل شئ صار إلى النقص ٠
ولا ينفع العقل إلا بالاستعمال كما لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة ولا ينفع الرأي إلا بالإنتخال كما لا تتم الفرصة إلا بحضور الأعوان ٠
ومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير عَلَيْهِ أخاف أن يكون حتفه في أقرب الأشياء إليه ٠
1 / 22
ورأس العقل المعرفة بما يمكن كونه قبل أن يكون
والواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يبيس العوسج الاستغراق في الضحك وكثرة التمني وسوء التثبت لأن العاقل لا يتكلف مالا يطيق ولا يسعى إلا لما يدرك ولا يعد إلا بما يقدر عَلَيْهِ ولا ينفق إلا بقدر مَا يستفيد ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر مَا عنده من الغناء ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عَلَيْهِ نفعه منه ٠
والعاقل يبذل لصديقه نفسه وماله ولمعرفته رفده ومحضره ولعدوه عدله وبره وللعامة بشره وتحيته ولا يستعين إلا بمن يحب أن يظفر بحاجته ولا يحدث إلا من يرى حديثه مغنما إلا أن يغلبه الاضطرار عَلَيْهِ ولا يدعي مَا يحسن من العلم لأن فضائل الرجال ليست مَا ادعوها ولكن مَا نسبها الناس إليهم ولا يبالي مَا فاته من حطام الدنيا مع مَا رزق من الحظ في العقل ٠
أنشدني عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد المقاتلي ... فمن كان ذا عقل ولم يك ذا غنى ... يكون كذي رجل وليست له نعل
ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجى ... يكون كذي نعل وليست له رجل ...
قال أَبُو حاتم كفى بالعاقل فضلا وإن عدم المال بأن تصرف مساوى أعماله إلى المحاسن فتجعل البلادة منه حلما والمكر عقلا والهذر بلاغة والحدة ذكاء والعي صمتا والعقوبة تأديبا والجرأة عزما والجبن تأنيا والإسراف جودا والإمساك تقديرا فلا تكاد ترى عاقلا إلا موقرا للرؤساء ناصحا للأقران مواتيا للإخوان متحرزا من الأعداء غير حاسد للأصحاب ولا مخادع للأحباب ولا يتحرش بالأشرار ولا يبخل في الغنى ولا يشره في الفاقه ولا ينقاد للهوى ولا يجمح في الغضب ولا يمرح في الولاية ولا يتمنى مالا يجد ولا يكتنز إذا وجد ولا يدخل في دعوى ولا يشارك في مراء
1 / 23