Открытие завесы для опровержения доказательств тех, кто утверждает исчезновение огня

رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار

Редактор

محمد ناصر الدين الألباني

Издатель

المكتب الإسلامي

Издание

الأولى

Год публикации

1405 AH

Место издания

بيروت

مقدمة المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد: فإن الله ﵎ قد جعل بحكمته لكل شيء سببا ولكل أمر سمى أجلا وقدر كل شيء تقديرا حسنا وكان من ذلك أنني هاجرت بنفسي وأهلي من دمشق الشام إلى عمان في أول شهر رمضان سنة (١٤٠٠) فبادرت إلى بناء دار لي فيها آوي إليها ما دمت حيا فيسر الله لي ذلك بمنه وفضله وسكنتها بعد كثير من التعب والمرض أصابني من جراء ما بذلت من جهد في البناء والتأسيس ولا زلت أشكو منه شيئا قليلا والحمد لله على كل حال والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
ولقد كان أمرا طبيعيا أن يصرفني ذلك عما كنت اعتدته في دمشق من الانكباب على العلم دراسة وتدريسا وتأليفا وتحقيقا لا سيما ومكتبتي الخاصة لا تزال في دمشق لم أتمكن من ترحيلها إلى عمان الصعوبات وعراقيل معروفة فكنت أعلل نفسي كل يوم وأمنيها بأن المياه عما قريب ستعود إلى مجاريها ولكن الرياح كثيرا ما تجري بخلاف ما يشتهي الملاح فإنه ما كاد بعض إخواننا في الأردن يشعرون بأنني استقررت في الدار حتى بدؤوا يطلبون مني أن أستأنف إلقاء الدروس التي كنت ألقيها عليهم في السنين الماضية قبل هجرتي إلى عمان حيث كنت أسافر إليها في كل شهر أو شهرين فألقي عليهم درسا أو درسين في كل

1 / 5

سفرة وألحوا علي في الطلب وعلى الرغم من أنني ما كنت عازما على شيء من الإلقاء لأوفر ما بقي لي من نشاط وعمر لإتمام بعض مشاريعي العلمية - وما أكثرها - رأيت أنه لا بد من أحقق طلبتهم ورغبتهم الطيبة فوعدتهم خيرا وأعلنت لهم أنني سألقي عليهم درسا كل يوم خميس بعد صلاة المغرب في دار أحد إخواننا الطيبين هناك قريبا من داري. وتحقق ذلك بإذن الله تعالى فألقيت الدرس الأول ثم الثاني من كتاب (رياض الصالحين) (١) للإمام النووي بتحقيقي وأجبتهم بعد الدرس عن بعض أسئلتهم الكثيرة المتوفرة لديهم والتي تدل على تعطشهم ورغبتهم البالغة في العلم ومعرفة السنة
وبينما أنا أستعد لإلقاء الدرس الثالث إذا بي أفأجأ بما يضطرني اضطرارا لا خيار لي فيه مطلقا إلى الرجوع إلى دمشق حيث لم يبق لي فيها سكن وذلك أصيل نهار الأربعاء في ١٩ شوال سنة ١٤٠١ هـ فوصلتها ليلا وفي حالة كئيبة جدا وأنا أضرع إلى الله تعالى أن يصرف عني شر القضاء وكيد الأعداء فلبثت فيها ليلتين وفي الثالثة سافرت بعد الاستشارة والاستخارة إلى بيروت مع كثير من الحذر والخوف لما هو معروف من كثرة الفتن والهرج والمرج القائم فيها والوصول إلى بيروت محفوف بالخطر ولكن الله ﵎ سلم ويسر فوصلت بيروت في الثلث الأول من الليل قاصدا دار أخ لي قديم وصديق وفي حميم فاستقبلني بلطفه وأدبه وكرمه المعروف وأنزلني عنده ضيفا معززا مكرما. جزاه الله خيرا
فلما استقر في منزله قراري وارتاح من وعثاء السفر بالي كان من الطبيعي جدا أن أهتبل فرصة هذه الغربة الطارئة فأتوجه بكليتي إلى الدراسة والمطالعة في مكتبته العامرة الزاخرة بالكتب المطبوعة منها والمخطوطة النادرة فرغبت منه أن

(١) هذا في طبعته الأولى التي صدرت بظروف قاهرة غير أننا أعدنا صفه وطبعه مجددا في طبعة متقنة مفهرسة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. - زهير

1 / 6

يطلعني على فهرست المخطوطات والمصورات التي في حوزته مسجلة على البطاقات فاستجاب لذلك بكل نفس طيبة وأريحة إسلامية منه معروفة أحسن الله إليه وجزاه خيرا
فأخذت في البطاقات نظرا وتقليبا عما يكون فيها من الكنوز بحثا وتفتيشا حتى وقعت عيني على رسالة الإمام الصنعاني تحت اسم (رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار) . في مجموع رقم الرسالة فيه (٢٦١٩) فطلبته فإذا فيه عدة رسائل هذه الثالثة منها. فدرستها دراسة دقيقة واعية لأن مؤلفها الإمام الصنعاني رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى رد فيها على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ميلهما إلى القول بفناء النار بأسلوب علمي رصين دقيق (من غير عصبية مذهبية. ولا متابعة أشعرية ولا معتزلية) كما قال هو نفسه رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في آخرها. وقد كنت تعرضت لرد قولهما هذا منذ أكثر من عشرين سنة بإيجاز في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) في المجلد الثاني منه (ص ٧١ - ٧٥) بمناسبة تخريجي فيه بعض الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة التي احتجا ببعضها على ما ذهبا إليه من القول بفناء النار وبينت هناك وهاءها وضعفها وأن لابن القيم قولا آخر وهو أن النار لا تفنى أبدا وأن لابن تيمية قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار وكنت توهمت يومئذ أنه يلتقي فيها مع ابن القيم في قوله الآخر فإذا بالمؤلف الصنعاني يبين بما نقله عن ابن القيم أن الرد المشار إليه إنما يعني الرد على من قال بفناء الجنة فقط من الجهمية دون من قال بفناء النار وأنه هو نفسه - أعني ابن تيمية - يقول بفنائها وليس هذا فقط بل وأن أهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار وذلك واضح كل الوضوح في الفصول الثلاثة التي عقدها ابن القيم لهذه المسألة الخطيرة في كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) (٢ / ١٦٧ - ٢٢٨) وقد حشد فيها (من خيل الأدلة ورجلها وكثيرها وقلها ودقها وجلها وأجرى فيها قلمه ونشر فيها علمه وأتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل واستنفر كل قبيل وجيل) كما قال المؤلف ﵀ ولكنه أضفى

1 / 7

بهذا الوصف على ابن تيمية وابن القيم أولى به وأحرى لأننا من طريقه عرفنا رأي ابن تيمية في هذه المسألة وبعض أقواله فيها وأما حشد الأدلة المزعومة وتكثيرها فهي من ابن القيم وصياغته وإن كان ذلك لا ينفي أنه تلقى ذلك كله أو جله من شيخه في بعض مجالسه فما عزاه إليه صراحة فهو الأصل في ذلك وما لم يعزه فلا ولذلك جريت فيما يأتي على التنبيه على ما لم يعزه إليه صراحة لأن من بركة العلم أن يعزى كل قول لقائله. وليس العكس كما هو معروف عند العلماء. وإن مما يؤيد هذا أن ابن القيم ﵀ تعرض لهذا البحث مطولا أيضا في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) بنحو ما في (الحادي) كما تراه في (مختصر الصواعق) للشيخ محمد بن الموصلي (ص ٢١٨ - ٢٣٩) فلم يذكر فيه ابن تيمية مطلقا وكذلك رأيته فعل في (شفاء العليل) (ص ٢٥٢ - ٢٦٤) إلا أنه قال في آخرها:
(وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي: هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء. ومضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكشي بعض تلك الآثار (يعني أثر عمر الآتي في أول الكتاب) فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول: قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدرى ما هو؟ فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة الله عليه) . فهذا مما يدل على أنه من الممكن أن يكون تلقاه كله عنه ولكن لا نقول به إلا في حدود ما نص هو عليه أنه من كلام ابن تيمية نفسه رحمهما الله تعالى في (الحادي) أو في غيره أن وجد
وقد وقفت في مخطوطات المكتب الإسلامي على ثلاث صفحات في ورقتين بخط لعله من خطوط القرن الحادي عشر نقلها كاتبها الذي لم يكشف عن هويته من رسالة ابن تيمية ﵀ في الرد على من قال بفناء الجنة والنار
وهذه الورقات الثلاث جمعها أخي المحقق زهير الشاويش من دشت مخطوطات عنده. وانظر صورها في الصفحات (٥٣ - ٥٥) وهذا نصها:

1 / 8

(قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - في رسالة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ما نصه:
(وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين ومن بعدهم وهذا أحد المأخذين في دوام عذاب من يدخلها
فإن الذين يقولون: أن عذابهم له حد ينتهي إليه ليس بدائم كدوام نعيم الجنة قد يقولون: إنها قد تفنى وقد يقولون: إنهم يخرجون منها فلا يبقى فيها أحد
لكن قد يقال: إنهم لم يريدوا بذلك أنهم يخرجون مع بقاء العذاب فيها على غير أحد
وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم ﵃
وروى عبد بن حميد - وهو من أجل علماء الحديث - في تفسيره المشهور قال:
(أخبرنا سليمان بن حرب أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن البصري قال: قال عمر: (لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (١) لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه)
وقال: أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: أن عمر بن الخطاب قال: (لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه) . ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابثين فيها﴾ (٢)
وهذا يبين أن مثل هذا الشيخ الكبير من علماء الحديث والسنة يروي عن مثل

(١) هو رمل كثير جدا مسيرة أربع ليال بين فيد والقريات
(٢) سورة النبأ الآية (٢٣)

1 / 9

هؤلاء الأئمة في الحديث والسنة مثل سليمان بن حرب الذي هو من أجل علماء السنة والحديث ومثل حجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة - مع جلالته في العلم والسنة والدين - يروي من وجهين من طريق ثابت ومن طريق حميد هذا عن الحسن البصري - الذي يقال: أنه أعلم من بقي من التابعين في زمانه - يروى عن عمر بن الخطاب وإنما سمعه الحسن من بعض التابعين سواء كان هذا قد حفظ هذا عن عمر أو لم يحفظه كان مثل هذا الحديث متداولا بين هؤلاء العلماء الأئمة لا ينكرونه وهؤلاء كانوا ينكرون على من خرج عن السنة من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا (١) في حلوق المبتدعة
فهؤلاء من أعظم أعلام أهل السنة الذي ينكرون من البدع ما هو دون هذا لو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للكتاب والسنة والإجماع كما يظنه طائفة من الناس وعبد بن حميد ذكر هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ (٢) ليبين قول من قال: أن الأحقاب لها أمد تنفد ليست كالرزق الذي ما له من نفاد. ولا ريب أن من قال هذا القول: عمر ومن نقله عنه إنما (٣) أراد بذاك جنس أهل النار الذين هم أهلها
فأما قوم أصيبوا بذنوب فأولئك قد علم هؤلاء وغيرهم بخروجهم منها وأنهم لا يلبثون فيها قدر عدد رمل عالج ولا قريبا من ذلك والحسن كان يروي

(١) الشجا: كل ما اعترض في حلق الإنسان والدابة من عظم أو عود أو غيرها وأراد هنا أنه يمنعهم عن نشر كلامهم الباطل وكثيرا ما أثنى الإمام أحمد وغيره على حماد فقد كان من الأعلام. وقال عنه القطان: إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام أنظر مسائل الإمام أحمد لابن هانئ ٢ / ١٩٧ و٢٠٧ بتحقيقي. - زهير -
(٢) سورة النبأ الآية (٢٣)
(٣) الأصل: (إن)

1 / 10

حديث الشفاعة في أهل التوحيد وقد ذكره البخاري ومسلم عنه وكذلك حماد بن سلمة كان يجمعها ويحدث الناس بها وكذلك سليمان بن حرب وأمثاله فهذا عندهم لا يقال فيه مثل هذا ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﷺ َ:
(صحيح) (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون) (١)
وقوله: (يخرجون فيه) أي يخرجون من جهنم بعد أن يفنى عذابها وينفد وينقطع فهم لا يخرجون منها بل هم خالدون في جهنم كما أخبر الله لكن انقضى أجلها وفنيت كما تفنى الدنيا فلم يبق فيها عذاب وذلك أن العالم لا يعدم وجهنم في الأرض والأرض لا تعدم بالكلية لكن فناؤها بتغير حالها واستحالتها من حال إلى حال قال تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ (٢) وهم لا يعدمون بل يموتون ويهلكون وكما قال تعالى ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ (٣) فإذا أنفذه الرجل فقد نفد ما عنده وإن كان لم يعدم بل انتقل من حال إلى حال) . انتهى
وقال فيها أيضا:
(والفرق بين بقاء الجنة والنار عقلا وشرعا أما شرعا فمن وجوه:
أحدها: أن الله أخبر ببقاء نعيم الجنة ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع في غير موضع من كتابه كما أخبر أن أهل الجنة لا يخرجون منها وأما أهل النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها
الثاني: أنه أخبر بما يدل على أنه ليس بمؤبد في عدة آيات
الثالث: أن النار لم يذكر فيها شيء مما يدل على الدوام

(١) أخرجه مسلم وغيره وهو مخرج في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (١٥٥١) . وأنظر (مختصر صحيح مسلم) رقم (٨٧)
(٢) سورة الرحمن الآية (٢٦)
(٣) سورة النحل الآية (٩٦)

1 / 11

والرابع: أن النار قيدها بقولها: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ (١) وقوله: ﴿خالدين فيها إلا ما شاء الله﴾ (٢) وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (٣) فهذه ثلاث آيات تقتضي قضية مؤقتة أو معلقة على شرط وذاك دائم مطلق ليس بمؤقت ولا معلق
الخامس: قد ثبت أنه يدخل الجنة من ينشئه الله لها ويدخلها من دخل النار أولا ويدخلها الأولاد بعمل الآباء. فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيرا وأما النار فلا يعذب أحد إلا بذنوبه فلا يقاس هذه بهذه
السادس: أن الجنة من مقتضى رحمته ومغفرته والنار من عذابه وقد قال: ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ (٦)
فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته فيجب دوامه بدوام معاني أسمائه وصفاته
وأما العذاب فإنما هو من مخلوقاته والمخلوق قد يكون له انتهاء مثل الدنيا وغيرها لا سيما مخلوق خلق لحكمة يتعلق بغيره
الوجه السابع: أنه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأنه (كتب على

(١) سورة النبأ الآية (٢٣)
(٢) سورة الأنعام الآية (١٢٨)
(٣) سورة هود الآية (١٠٧)
(٤) سورة الحجر الآية (٤٩ - ٥٠)
(٥) سورة المائدة الآية (٩٨)
(٦) سورة الأعراف الآية (١٦٧)

1 / 12

نفسه الرحمة) (١)
(صحيح) وقال: (سبقت رحمتي غضبي) (٢)
و(غلبت رحمتي غضبي) وهذا عموم وإطلاق فإذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة
الثامن: أنه قد ثبت مع رحمته الواسعة أنه حكيم إنما يخلق لحكمة كما ذر حكمته في غير موضع فإذا قدر أنه يعذب من يعذب لحكمة كان هذا ممكنا كما يوجد في الدنيا العقوبات الشرعية فيها حكمة وكذلك ما يقدره من المصائب فيه حكمة عظيمة فيها تطهير من الذنوب وتزكية للنفوس وزجر لها في المستقبل للفاعل ولغيره يجنبها غيره والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا قال في الحديث الصحيح: (إنهم يحبسون بعد خلوصهم من الصراط على قنطرة بين الجنة والنار فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) (٣) . والنفوس الشريرة الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا تصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والظلم والشر فإذا عذبوا بالنار عذابا يخلص نفوسهم من ذلك الشر كان هذا معقولا في الحكمة كما يوجد في تعذيب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة
أما خلق نفوس تعمل الشر في الدنيا والآخرة لا يكون إلا في العذاب فهذا تناقض يظهر فيه من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر من غيره ولهذا كان من الجهم (٤) لما رأى ذلك ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين وقال: بل يفعل ما يشاء. والذين سلكوا طريقته كالأشعري وغيره ليس عندهم في الحقيقة له حكمة ورحمة

(١) إشارة إلى قوله تعالى ﴿وسعت رحمتي كل شيء﴾ الأعراف الآية (١٥٦)
(٢) وانظر (صحيح الجامع الصغير) (٤١٩٨) عن أبي هريرة ﵁ وانظر (السنة) لابن أبي عاصم بتحقيق الألباني (٦٠٨) و(٦٠٩) وهما من طبع المكتب الإسلامي
(٣) هو الجهم بن صفوان المقتول سنة ١٢٤ هـ طبع المكتب الإسلامي
(٤) رواه البخاري وغيره وهو مخرج في (ظلال الجنة في تخريج السنة) لابن أبي عاصم (٨٥٧ - ٨٥٨)

1 / 13

لكن له علم وقدرة وإرادة لا ترجح أحد الجانبين. ولهذا لما طلب منهم أن يقروا بكونه حكيما فرده بأنه عليم إذ قد يراد: يريد وليس من الثلاثة ما يقتضيه الحكمة وإذا ثبت أنه حكيم رحيم وعلم بطلان قول الجهم تعين إثبات ما تقتضيه الحكم والرحمة
وما قاله المعتزلة أيضا باطل فقول القدرية المجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل ومن أعظم ما غلطهم اعتقادهم تأبيد جهنم فإن ذلك يستلزم ما قالوه وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم. انتهى) (١)
وأنت ترى في هذه الصفحات المنقولة عن رسالة ابن تيمية شبها كبيرا فيما جاء فيها من الأمور بكلام ابن القيم في (الحادي) الذي نقل المؤلف خلاصات منه ورد عليها - مع فارق من حيث الإيجاز والبسط من جهة. وعدم تعرضه لكثير من المسائل والأحاديث والأدلة من جهة أخرى وإن كان من الممكن أن يقال: أن من الجائز أن يكون ابن تيمية قد تعرض لذلك أيضا في (رسالته) ولكن كاتب تلك الصفحات اختصرها كما يدل عليه قوله في أولها عن ابن تيمية: (وأما القول بفناء النار) . وقول الكاتب في آخر ثلث الصفحة الثانية من الثلاث: (انتهى) وكذا قال في آخر الثالثة أيضا. والله أعلم
ولقد كان أملي كبيرا في أن أجد رسالة ابن تيمية هذه محفوظة في (مجموع الفتاوى) التي جمعها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم في خمس وثلاثين مجلدا ولكني - مع الأسف - لم أجد لها أثرا في شيء منها بعد تقليبي لها كلها والاستعانة على ذلك بالفهارس التفصيلية الموضوعة لها وكان أقوى ظني أن يوردها تحت عنوان (التخليد) الموضوع في (الفهرس) (١ / ١٣٩) ولكن دون جدوى أو في (تفسير سورة هود) في آيتي الاستثناء فيها لكني لم أرها مع أنه أشار إليهما في

(١) هنا انتهت الصفحات الثلاث المخطوطة

1 / 14

Открытие завесы для опровержения доказательств тех, кто утверждает исчезновение огня | Усуль