Властелин времени: Книга и дело
رب الزمان: الكتاب وملف القضية
Жанры
ويقوم مقال د. كريم على فكرة أساسية تسلطت عليه، مفادها: أن المصريين القدماء قد اكتشفوا مبدأ التوحيد في العقيدة الإلهية، منذ بداية الأسرات الفرعونية الحاكمة، وربما قبلها، ومن ثم قام يبني على فكرته قصة، ملخصها: أنه عندما قامت الثورة الكبرى في مصر القديمة ضد الملك، وضد الكهنة ورجال الدين، في نهاية الأسرة السادسة الفرعونية،
3
هرب كهان مدينة «منف» - ويزعم الكاتب أنهم قوم موحدون - إلى الجزيرة العربية، حيث اكتنوا هناك بالكنية «بني مناف»، أو أهل منف، بينما أطلق عليهم الفراعنة اسم «جرهم»، أي مهاجري مصر، وأن النبي إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) عندما ترك سريته «هاجر» مع رضيعها «إسماعيل» في جزيرة العرب، ووجدت نفسها وسط أعراب لا تعرف لغاتهم، لجأت إلى قبائل «جرهم» المصرية، الذين آووها، وأمكنها التفاهم معهم. وكان «بنو مناف أو الجراهمة» قد أقاموا في هذا المكان بيتا للرب هو «الكعبة»، على غرار كعبتهم المصرية التي تركوها في منف، وتعرف حاليا ب «هرم ميدوم »، ثم يلقي القول بذكاء: «وليس هناك من شك في أن زيارة جميع الأنبياء إلى الكعبة، ابتداء من سيدنا إبراهيم إلى إسماعيل وشعيب وموسى، قد بدأت جميعها بعد زيارتهم لمصر، وتفهم عقيدة التوحيد وإيمان المصريين بالبعث والحساب والآخرة وخلود الروح.» ثم يزيد فيقول: إن إشارة النبي محمد
صلى الله عليه وسلم
أنه خيار من خيار، من خيار قريش، وأن قريشا من كنانة، فإن كنانة لم تكن قبيلة في جزيرة العرب كما كنا نتصور، إنما هي «مصر الكنانة»، وأن النبي
صلى الله عليه وسلم
يشير بذلك إلى أن أسلافه إنما كانوا مصريين.
والعجيب في أمري مع د. كريم، أني ألتقي تماما معه في القول بهجرة مصرية إلى جزيرة العرب، كانت سببا في نشوء اتجاه ديني هناك. وقد عالجت هذا الأمر في بحث خاص، كنت أود إرفاقه بهذا التعقيب لولا أنه سيضيف مساحة يضيق بها المتاح في عدد واحد، إلا أن أول ما يزعج أي عارف بتاريخ مصر هنا، هو قول د. كريم: إن الثورة المصرية ضد الملك والكهنة في نهاية الأسرة السادسة، هي التي أدت إلى هجرة أصحاب «منف» إلى جزيرة العرب. وقوله بصريح العبارة إنهم أصحاب عبادة الإله «رع». ومصدر الإزعاج هنا هو أن «منف» كانت مقرا لعبادة الإله «فتاح»، وليس «رع»، وأن الإله «فتاح» قد توارى في الظل مع مدينته «منف» بعد أن قام كهنة الإله «رع» بانقلاب ديني وسياسي في الوقت ذاته، واستولوا على الحكم في نهاية الأسرة الرابعة، وأسسوا الأسرة الخامسة الحاكمة، واستمروا في الحكم في الأسرة السادسة. وكانت مدينة الإله «رع» المقدسة، هي مدينة «أون» عين شمس الحالية، وليس مدينة «منف».
وبذلك تكون الثورة الشعبية التي قامت ضد الملوك والكهنة، قامت ضد ملوك وكهنة الإله «رع» في «أون» وليس في «منف»، ويكون الإله «رع» إله مدينة «أون» وليس إله مدينة «منف»، مما يشير إلى خلل خطير فيما قدمه السيد الدكتور لقارئه، أما إن أراد صدق المراد، فإن هجرة أهل «منف» تكون قد سبقت الثورة الشعبية بحوالي ثلاث قرون أو أكثر، عندما حدث الصدام بين «منف» و«أون»، أو بين أتباع «فتاح» وأتباع «رع»، الذي انتهى باستيلاء «رع» وأتباعه على سدة الحكم.
ومن هنا، فإذا كنا نلتقي مع السيد الدكتور في أمور، فإنا نخالفه في أخرى، وهي ليست مخالفة لمجرد المخالفة، إنما سيرا مع صحيح الأمور وتاريخيتها. أما أشد تحفظاتنا فهي تتعلق بمدى التزام الكاتب - أي كاتب - بالحياد والموضوعية وتحري الحقيقة، بحيث لا يميل مع هواه كل الميل، فيفسر النصوص على الرأي الخاص ليؤكد فكرته. ومن هنا، وتأسيسا على ذلك، سنناقش ما كتبه د. كريم بمعيار واحد، هو مدى التزام الصدق العلمي وشروط تحقيقه.
Неизвестная страница