История греческой философии
قصة الفلسفة اليونانية
Жанры
إذن فلم يوفق أرسطو حين فرض الصورة أصلا للكون في أن يبرهن على أنها ضرورة، وعلى أن الصور الجزئية مشتقة بعضها من بعض، فلا هي فسرت نفسها، ولا هي قدمت للكون تعليلا مقبولا، ولكن إن عجزت فلسفة أرسطو عن أن تقطع في هذا الموضوع بقول فصل فقد سارت في سبيل ذلك شوطا بعيدا. (9) مقارنة بين أفلاطون وأرسطو
يقول بعضهم: «إنك إذا تحولت من فلسفة أفلاطون إلى فلسفة أرسطو كنت كمن هبط من ذروة جبل إلى أرض ذات مزارع وبساتين، تعهدت زرعها وأشجارها يد ماهرة، وأحيطت بسياج حصين.»
يعنون بذلك أن أفلاطون يحلق في السماء، أما أرسطو فيبحث في الأرض ويلمس الواقع، ويقسم القضايا التي تتعلق بكل علم تقسيما دقيقا. كان أرسطو تلميذا لأفلاطون - كما ذكرنا - ولكن فلسفته تختلف اختلافا كبيرا عن فلسفة أفلاطون. لم يكن أرسطو شاعرا خياليا كأفلاطون، إنما كان يحب الحقائق الواقعية ويميل إلى تنظيمها ووضع أسماء لها. لم يكن يهتم كثيرا بالنظريات الرياضية كما كانت تهتم مدرسة أفلاطون، إنما همه في حقائق البيولوجيا (علم الحياة) وأشباهها، يرى أن طريق المعرفة يجب أن يبدأ بالحقائق الواضحة ثم يتدرج منه إلى ما فوقه.
كان أفلاطون يرى أن الحقيقة مركزها في النظام الروحاني، السماوي (في عالم المثل)، وليس عالم الحس المادي إلا مظهرا له، أما أرسطو فيرى الحقيقة في عالمنا الذي بين أيدينا؛ ذلك كان غرضه أن يفهم ما حوله، وهما نظران يكادان يكونان متناقضين، فالأول يرى أن عالمنا لا يفهم إلا بالعالم الآخر الروحاني الإلهي، أما الثاني فيرى أن عالمنا يفهم من ذاته وبإعمال عقلنا فيه نفسه. وقد انتقد أرسطو نظرية أفلاطون في المثل، وقال إنها لا تعين على فهم هذا الوجود، وإنها ليست إلا تطورات خيالية؛ لذلك كانت طريقة شرح أفلاطون لهذا العالم ولنظريات الأخلاق والفن طريقة شعرية، أما أرسطو فطريقته إعمال عقلنا فيما بين أيدينا، والاستعانة على ذلك بالمنطق، ونظراته في الأخلاق تشعر بأنه ينظر إلى الإنسان كإنسان لا كمخلوق إلهي، ونظرته السياسية تدور على نظرته للجماعة كما يراها في هذا العالم الأرضي، لا على مثال كمالي وراء عالمنا نتطلع لاحتذائه. لا يثق أفلاطون بالحواس ولا يرى أنها توصل إلى علم، أما أرسطو - وإن رأى فيها نقصا - فهو يرى أنها تصح أن تكون آلات تستخدم لمعرفة بعض الحقائق الأولية، وهكذا ترى الفرق بين عقلية الفيلسوفين كبيرا، ويجمعها ما قلنا من أن أحدهما يحلق في السماء يبحث عن الحق، والآخر يلمس الأرض يبحث عن الحق، وقد قال أحد الكتاب الألمان: «إن كل مولود يولد إما أفلاطونيا أو أرسططاليسيا.» يعني بذلك أن الناس إما أن يميلوا إلى الخيال وإما إلى الواقع، إما إلى ما وراء المادة وإما إلى الحقائق العلمية، إما إلى الشعر وإما إلى المنطق الجاف، فالذين مزاجهم العقلي من النوع الأول أفلاطونيون، والآخرون أرسططاليسيون، وقد نقد بعض المحدثين هذا النظر إلى أرسطو وقالوا - بحق - إن أرسطو في فلسفته لم يخل من نفحة شعرية، ولم يكن واقعيا صرفا، فكتابته في بعض الموضوعات كالهيئة وما يتعلق بالأفلاك مصبوغة بصبغة أفلاطون الشعرية، لا بما يغلب عليه من نظرة تجريبية واقعية. (10) المذاهب الفلسفية بعد أرسطو
تاريخ الفلسفة اليونانية بعد أرسطو تاريخ قصير؛ لأنه لم يكن تاريخ إنشاء وبناء، بل تاريخ انحطاط سريع، ويرجع السبب في تدهور الفلسفة اليونانية بعد أرسطو إلى عوامل سياسية واجتماعية، ذلك بأن الفلسفة ليست مستقلة تنمو وتنحط حسب كفاية الشخص الباحث وحدها، إنما تسير جنبا لجنب مع الحالة السياسية والاجتماعية والدينية والفنية للأمة، فالنظام السياسي والفن والدين والعلم والفلسفة كلها أشكال مختلفة تعبر بها الأمة عن حياتها ودرجة رقيها، ففلسفة الأمة تدل على تاريخها.
وبلاد اليونان من عهد الإسكندر خضعت لسلطان مقدونيا، وطغت قوة المقدونيين على مدنية اليونان وسلبتها حريتها واستقلالها، فأصيبت بالهرم، ولم يمض زمن طويل حتى اكتسحها الرومان وصيروها ولاية من مملكتهم الواسعة.
كان من جراء ذلك أن الفلسفة اليونانية أصيبت بالهرم كذلك، فالروح العلمي الخالص، والبحث للبحث، والاهتمام بالحقيقة للحقيقة لم نره بعد أرسطو، وأصبح الباعث على البحث في الفلسفة ليس حب الاستطلاع، ولا الشوق إلى تعرف الحقيقة، إنما كان الباعث على الفلسفة بجث الفرد وراء ما يخلص من شرور الحياة وويلاتها، وبذلك أصبحت الفلسفة شخصية بعد أن كانت عالمية، وصارت كل الأبحاث تدور حول الشخص وخيره ومصيره وسعادته، ومن أجل هذا كانت كل الأبحاث الفلسفية أخلاقية، وإن بحث شيء بعدها فإنما يبحث خدمة لها، وكاد ينقطع ما كنا نشاهد في العصور الأولى لليونان من بحث في العالم وشئونه وقضاياه، وتصوروا الإنسان هو المحور والعالم يدور عليه بعد أن كان الأولون يتصورون الإنسان نقطة من محيط العالم، وصار البحث فيما وراء المادة والبحث في الطبيعة والمنطق والفن إنما هو لخدمة البحث الأخلاقي، واختل التوازن الذي كان موجودا في الأبحاث الفلسفية في الموضوعات المختلفة.
كذلك كان من نتائج هذا التدهور عدم الابتكار إلا قليلا، ولم يكن ممن جاء بعد أرسطو إلا إحياء لبعض النظريات القديمة وتوسيعها والدوران حولها، ولكن لا جديد.
على كل حال كان أهم الفرق بعد أرسطو الرواقيون والأبيقوريون.
الفصل الثاني عشر
Неизвестная страница