اللباب في علوم الكتاب
اللباب في علوم الكتاب
Редактор
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Издатель
دار الكتب العلمية
Издание
الأولى
Год публикации
١٤١٩ هـ -١٩٩٨م
Место издания
بيروت / لبنان
كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الذين كفروا.
ثُمَّ قال القَفَّال: «وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه» .
فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه
الحياء: تَغَيَّرَ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري: نقصت حياته، واعتلت مجازًا، كما يُقَالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ: إذا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا: فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله: «نَسِيَ وخَشِيَ وشظي» أي: أصيبَ نَسَاه، وهو «عرق» وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ.
وقيل: مجاز عن الخِشْيَةِ؛ لأنَّها أيْضًا من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا: أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحْقّرَات، «قُوبِلَ» قولهم ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [ونظيره قول] أبي تمَّام: [الكامل]
٣٢٢ - مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ لمَنْزِلِ
لو لم يذكر بناء الدَّارِ لم يصحّ بناء الجار.
وقيل: معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه؛ خوفًا من مُواقعة القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي «صحيح مسلم» عن أم سلمة قالت: «جاءت أم سليم إلى النَّبِيِّ ﷺ َ فقالت: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ» المعنى لا يأمر بالحَيَاء فيه، ولا يمتنع من ذكره.
قال ابن الخطيب: «القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فلذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا
1 / 460