Зов истины: С тремя текстами о правде Хайдеггера
نداء الحقيقة: مع ثلاثة نصوص عن الحقيقة لهيدجر
Жанры
20 (2) وجود الإنسان وجود-في-العالم
لن تجد في حديث «الوجود والزمان» عن الإنسان شيئا من تلك الأوصاف التي ألفناها في غيره من الكتب الفلسفية التي تجعل منه وعيا أو ذاتا أو شعورا أو شخصا أو أنا، إن هيدجر ينحت له الاصطلاح الذي ذكرناه واتفقنا على التعبير عنه في العربية بكلمة «الدازاين (الموجود الإنساني) الملقى هنا وهناك في العالم»،
21
والواقع أن هذه الكلمة الأخيرة، في منطوقها العربي أو أصلها الألماني، تثير غير قليل من سوء الفهم، ولو تحرينا الدقة لترجمناها ب «الموجود-هنا» أي الكائن الملقى به في العالم، والموجود فيه دائما بالقرب من الأشياء ومع غيره من الناس، المتميز عن سائر الكائنات بعلاقته بالوجود، واهتمامه بالسؤال عنه، وحمله مسئوليته على كتفيه، والأمر هنا لا يقف بطبيعة الحال عند استبدال اسم باسم أو كلمة بكلمة، وإنما ينطوي على تغيير أساسي في النظر والتصور والفكر بوجه عام.
ونسأل الآن: ما الوجود؟ فتواجهنا المشكلة الكبرى، ونضطر للاعتراف بأننا لا نعرفه! ومع هذا فإن من السهل علينا أن نفرق في الموجودات التي نعرفها بين موجود يدخل في علاقة مع نفسه ويقدر على تنميتها، وبين موجود آخر عاجز عن هذه القدرة؛ فالحجر يوجد أو يكون، ولكنه لا يملك الدخول في علاقة مع نفسه، وقل مثل هذا عن الشجرة والبيت والكرسي وغيرها من الموجودات غير البشرية، أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي لا يقتصر على أن يوجد أو يكون، وإنما يتعدى هذا إلى الدخول في علاقة مع ذاته ومع الذوات الأخرى التي يشترك معها في الوجود وتشاركه فيه، ومع سائر الموجودات غير الإنسانية، والنتيجة الهامة التي نستخلصها من هذا هي أن الإنسان لا يوجد فحسب، وإنما «عليه أن يوجد»، وأن يحمل مسئولية الوجود وأمانته؛ ولهذا استحق أن ينحت الفيلسوف له كلمة خاصة به هي كلمة الدازاين أو الوجود الإنساني الملقى به هنا وهناك أو الآنية التي قد لا ترضينا كل الرضا! ولا يقعن في ظننا أننا قد عرفنا بهذا شيئا عن الوجود، فنحن لم نزل على الطريق، ولم نصل بعد إلا إلى معنى أولي عن وجود موجود معين نصفه بالإنسان أو الدازاين، ونحاول تحديد معالمه التي تميزه عما عداه، هذا الوجود النوعي ليس وجودا بسيطا، وإنما هو وجود في سبيل التحقق وينبغي على صاحبه أن يعرف بنيته ويتحمل مسئوليته حتى يصل به إلى ما سنسميه بعد بالوجود الأصيل، وبذلك ينفذ من قشور الوجود الزائف الذي يحيا في الأغلب الأعم حياته اليومية مستغرقا فيه.
هل ألفنا الآن هذا المصطلح الجديد؟ فلنتقدم خطوة أخرى لنواجه المزيد! ولنتذرع بالصبر على تكرار كلمتي الوجود والموجود!
إن دخول «الوجود الإنساني» في علاقة مع وجود يميز هذا الوجود بأنه «تواجد»
22
ولأن تحديد ماهية هذا الموجود الذي نسميه الدازاين لا يمكن أن يتم عن طريق تحديد ل «ما» موضوعية، بل تكمن ماهيته في أن عليه أن يوجد وجوده الخاص به؛ لهذا اخترنا تعبير «الدازاين أو الموجود الإنساني»، باعتباره تعبيرا خالصا عن الوجود، للدلالة على هذا «الموجود»، إن الشيء الذي يميزه هو أسلوبه النوعي في الوجود، وهذا الأسلوب يكمن في قدرته على اختيار ذاته، لا، بل يكمن في الواجب الذي يحتم عليه اختيار ذاته، وتقاعسه عن هذا الاختيار أو تردده في القيام به هو نفسه نوع من الاختيار (وهي الفكرة التي أخذها العديد من فلاسفة الوجود ومن أهمهم سارتر) بهذا نضع أيدينا على لب التفرقة التي يقيمها هيدجر بين الأصالة والزيف، بين الوجود الأصيل وغير الأصيل، إن الموجود الإنساني يفهم ذاته على الدوام من خلال تواجده، أي من خلال إمكانياته الذاتية في أن يكون هو ذاته أو لا يكون، هذه الإمكانية إما أن يكون قد اختارها بنفسه أو تكون قد أقحمت عليه أو نشأت في ظله؛ ولهذا فإنه هو نفسه الذي يقرر أسلوب تواجده، سواء في ذلك أكان قد اختاره أو تقاعس عنه وضيعه من يديه،
23
Неизвестная страница