مصرع عاشق على قبر عشيقته
قال جبر بن حبيب: أقبلت من مكة أريد اليمامة، فنزلت بحي بني عامر فأكرموا مثواي، فإذا فتى حسن الهيئة قد جاءني فسلم علي، وقال: أين يريد الراكب؟ قلت: اليمامة، قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من مكة، فجلس إلي فحادثني أحسن الحديث، ثم قال لي: أتأذن في صحبتك إلى اليمامة، فقلت: أحب خير مصحوب، فقام فما لبث أن جاء بناقة بيضاء وعليها أداة حسنة، فأناخها قريبا من مبيتي وتوسد ذراعها، فلما هممت بالرحيل أيقظته، فكأنه لم يكن نائما، فقام وأصلح رحله وركب وركبت، فقصر علي يومي بصحبته، وسهلت علي وعوث السفر، فلما رأينا بياض قصور اليمامة أنشد قائلا:
وأعرضت اليمامة واشمخرت
كأسياف بأيدي مصلتينا
وهو في ذلك كله لا ينشدني إلا أبياتا معجبة في الهوى، فلما قربنا من اليمامة مال عن الطريق إلى أبيات قريبة منا، فقلت له: لعلك تحاول حاجة في هذه الأبيات؟ قال: أجل، قلت: انطلق راشدا، فقال: هل أنت موف حق الصحبة؟ قلت: أفعل، قال: مل معي، فملت معه، فلما رآه أهل الصرم ابتدروه، وإذا فتيان لهم شارة فأناخوا بنا وعقلوا ناقتينا وأظهروا السرور وأكثروا البر، ورأيتهم أشد شيء له تعظيما، ثم قال: قوموا إن شئتم، فقام وقمت لقيامه، حتى إذا صرنا إلى قبر حديث البناء ألقى نفسه عليه وأنشأ يقول:
لئن منعوني في حياتي زيارة
أحامي بها نفسا تملكها الحب
فلن يمنعوني أن أجاور لحدها
فيجمع جسمينا التجاور والترب
ثم أن أنة الأسى ووقع ميتا إلى الأرض، فأقمت مع الفتيان حتى احتفرنا له ودفناه، فسألت عنه فقالوا: ابن سيد هذا الحي، وهذه ابنة عمه وهي إحدى نساء قومه وكان بها مغرما فماتت منذ ثلاث سنين، فأقبل إليها وقد رأيت ما آل إليه أمره، فعدت والله وقد انفطرت مرارتي من الحزن عليه.
Неизвестная страница