9
لا يعبئون بكثرة عدد أعدائهم فليقاتل كل واحد منكم خصمه وأنا أقضي على الباقي منهم» ... فعلت هذه الكلمة فعلها في الجند وأثارت حميتهم، فلم يكادوا يطلقون بنادقهم أول طلقة حتى سقط من المماليك 100 على الأرض يمجون علقما ونجيعا، وبعد بضع ساعات تمكن الكابتن رينو من دخول أسوان ووضع يده على الأمتعة والجرحى، وجرح أيضا حسن بك وعثمان بك جروحا خطرة قضت على حياتهما بعد بضعة أيام، أما الكابتن رينو فلم يفقد من رجاله غير أربعة قتلى و15 جريحا، وكانت هذه المعركة أجمل معركة للفرنسيين في مصر، أما مراد بك فعندما علم بخبر تلك الكارثة فر إلى الصحراء، وهلك حسن بك والمماليك ولم يبق منهم غير شريف واحد من أشراف ينبع.
ولم يبق على الفرنسيين إلا أن يحتلوا ميناء القصير والواحة الكبرى والواحة الصغرى، ولكن شدة القيظ ووعورة الأرض اضطرتا الفرنسيين أن يؤجلوا إرسال الحملة إلى الواحات حتى شهر نوفمبر، ولكنهم رأوا أن يحتلوا القصير في الحال؛ لأن السفن الآتية من بلاد العرب وجدة وينبع كانت تأتي لتحمل الأرز والحنطة وبعض الحبوب الأخرى إلى الجزيرة ولا سيما مكة والمدينة ، فرأى الجنرال بليار أنه لا بد من امتلاك القصير في الحال وتحصينها.
وقد عد الصعيد منذ ذلك الوقت أنه قد تم فتحه ولم يبق على الجنرال ديزيه إلا أن يسير حملة لي الصحراء الكبرى للقضاء على قوة مراد بك، فرأى أن يعهد بها إلى الجنرال فراينت، ذلك القائد الذي اشتهر بالشجاعة والإقدام والمقدرة في الفنون العسكرية، وكان مراد بك في موقف يرثى له، وليس معه غير بعض المماليك والعرب، فهو لا يستطيع عملا ولا يخشى منه، ولذلك رأى الجنرال ديزيه أن يتفرغ لتنظيم البلاد فقسم الصعيد إلى قسمين وجعل عاصمة الأول أسيوط والثاني قنا، واختار لنفسه القسم الأول، وبقي في أسيوط وعهد بقنا إلى الجنرال بليار.
ولما خضع الصعيد واستتب الأمن أظهر الجنرالان قدرة فائقة في الأعمال الإدارية لم تكن أقل من قدرتهما في الأعمال العسكرية، وذهبا إلى القرى ليدبرا مع المشايخ والأهالي أمر حفر الترع وتطهيرها، وإقامة الجسور ووضعا مع رجال البلاد القادرين القواعد التي تضمن تحسين حالة البلاد، وعملا على اتفاق الحكومة مع الأهالي، وتركا الناس يهتمون بفلح أراضيهم، وكان أغنياء البلاد يتمتعون بثروتهم بدون خوف، وتغلب العقل والحكمة على الطباع فلم يهب الأهالي للانتقام، ولم يقصر الفرنسيون في محاكمة الجند الذين يعتدون على الأهالي حتى لقب بونابرت بلقب السلطان العظيم ولقب ديزيه بالسلطان العادل، وأرسل بونابرت إلى ديزيه كتابا يثني عليه قال فيه:
أرسل إليك يا مواطني الجنرال سيفا جميلا نقشت عليه هذه الكلمة - افتتاح الصعيد - وهو لم يفتح إلا بفضل مقدرتك وجهودك، وإنني أرى في تلك الهدية دليلا على احترامي لك، وإخلاصي لشخصك.
بونابرت
وأرسل أيضا إلى كل من الجنرال بليار والجنرال فراينت سيفا مزينة قبضت بالماس. •••
وإلى القارئ كل ما جاء في الجبرتي متقطعا عن المحاربات في الصعيد قال:
إنه في يوم الأربعاء أول ربيع الثاني سنة 1213 وردت الأخبار بأن مراد بك ومن معه لما بلغهم ورود الفرنسيس عليهم رجعوا إلى جهة الفيوم، وأن عثمان بك الأشقر عدا إلى البر الشرقي وذهب من خلف إلى أستاذه إبراهيم بك بغزة وخرج جماعة من الفرنسيس إلى جهة الشرق، ومعهم عدة جمال وأحمال فخرج عليهم الغز والعرب الذين يصحبونهم وأخذوا منهم عدة جمال بأحمالها ولم يلحقوهم، وفي ليلة الأحد 12 منه ركب كبير الفرنسيس إلى بر الجيزة وسفر عساكر إلى الجهة التي بها مراد بك، وكذلك إلى الجهة الشرقية ومعهم مدافع على عجل، وعينت عساكر إلى مراد بك وذهبوا إليه ببحر يوسف جهة الفيوم، وفي يوم الثلاثاء سافر أيضا جماعة من الفرنسيس إلى جهة مراد بك ومن معه والتقوا معهم وتراموا ساعة ثم انهزموا عنهم، واطمعوهم في أنفسهم فتتبعوهم إلى أسفل جبل اللاهون ثم خرجوا عليهم على مثل حالهم رجالا وتراموا معهم وكمنوا لهم وثبتوا معهم، وظهر عليهم المصريون وقتل من الفرنسي مقتلة كبيرة.
Неизвестная страница