وله من الملحون ما هو أرق من النسيم وكان في أول زمانه ساكنا في (كحلان) محل يقال له (حودمر) -بضم الحاء المهملة فواو ساكنة فدال مهملة مفتوحة فميم مضمومة فراء- وهو محل أبائه وقد ذكره في قصيدة له كتب بها إلى والده وكان والده إذ ذاك بها:
رحلت فأوحشت الأحبة والمغنى
فما نافع الصبر الجميل وما أغنا
ورحت إلى الرحب الفسيح من الربا
وخلفتني في ضيق يشبه السجنا
على أنها ضاقت أزال وقبحت
إلي وقد كانت لكم رحبة حسنا
وكل محب سائل عنك سائل
له مدمع من فقدكم يشبه المزنا
فأما بلغتم حودمر فعرجوا
على أربع كانت قديما لنا سكنا
قطعنا بها عصر الشباب وطالما
عهدنا ثمار الأنس من روضها تجنا
فمن لي بأيام الشباب تعود لي
وإني على سن الصبا أقرع السنا
وإني مهما عشت لا أنسى أنها
وعيشا نقضي ما ألذ وما أهنا
تهز نشاطي نحوها نسمة الصبا
ويطربني سجع الحمام إذا غنا
ويلهب نار الشوق بين جوانحي
سرى البرق من تلقائها إن شرى هنا
مضت برهة للدهر ثم تصرمت
كأن لم يكن ذاك الزمان ولا كنا
منها:
سقاها الحيا من أربع ومنازل
غرامي بها لا بالعذيب وحاجر
إذا كدت أسلو فينة عن ذكرها
ولا أرتضي ذما لصنعاء وإنها
حوت من صفات الحسن ما لو تقسمت
ولكنني أسكنتها بعدما انقضى
ومن بعد أن شب المشيب بعارضي
فهل ترى يصفو بعد ذلك مشرب
ولكنها الأيام أضحت خطوبها
وحكم زمان شأنه هضم جانبي
ثنى همتي عن مكسب العلم والعلا
وما زال شأن الدهر ينحط عنده
وليس سوى التسليم والصبر والرضا
ونرجو من الرحمن عفوا ورحمة ... وأهلا بها طابوا لنا ولهم طبنا
وقلبي إليها لا إلى المنحنى حنا
وإن غيبت أكنافها ونأت عنا
لفي اليمن الميمون كالمقلة اليمنا
على الأرض عادت كل ناحية حسنا
شبابي واستبدلت من قوتي وهنا
وفارقت فيها الأخ الأهل والأبنا
لحر وقد عز الزمان به الحزنا
تدور على أقصى البرية والأدنا
وإغلاق أبواب الفنا دائما منا
إلى حرفة صدت وكم صدت الذهنا
Страница 325