وليس يخفى أن من أول واجبات الزعماء أن ينظروا إلى الناس كغايات في أنفسهم لا كآلات وأدوات في سبيل تحقيق الغايات التي يفرضها الزعماء عليهم فرضا، ويريدونهم عليها إرادة إكراه وقسر وغلاب، وأن أية صفات أو منازع من شأنها أن تحيل الزعيم مزهوا بذاته عنيفا على الناس شديد الوطأة بالغ القسوة، تجعله بلا ريب يجنح إلى تغليب رضوان ذاته وإشباع نفسه، على إرضائهم، والظفر بسكونهم إليه.
وكذلك يمكن القول بأن الشخص السليم العقل الصحيح الموفور العافية إنما يجنح إلى النفوذ بالحض لا بالإكراه، وبالاحتثاث لا بالضغط والإجبار، وباللين والعرف لا بالاستبداد والعنف.
ولا ينبغي أن ننسى أن للسلطان إغراء، وأن في هذا الإغراء الخطر كل الخطر على الزعامة إذا هي لم تتئد وتأخذ نفسها بالرياضة وكبح الجماح.
وقد يعترض مع ذلك بأن الاتزان العقلي لا ينتظر من الزعماء؛ لأن الصفات التي جعلتهم زعماء هي بطبيعة الحال التي جعلت لهم ذلك التفوق الرفيع على الناس، فهم بها أغنياء عن التماس صفة أخرى على التعيين، ولكنا نستطيع بكل سهولة أن نستشهد بأمثلة كثيرة لزعماء يرجع سلطانهم إلى أنهم جعلوا من رذائلهم فضائل، وتخذوا من مساويهم حسنات، أو إلى اعتمادهم على خواص معينة فيهم تناهت في الغلبة على سواها، وانمازت عن غيرها، فأصبحت هي البارزة البادهة الغالبة.
وفي الحق إذا نحن نظرنا إلى الفرد من ناحية كفايته وصلاحيته للزعامة، وإلى المجموع من حيث بحثه عن الزعيم الموفق الناجح القوي المكين، بدا لنا أن الإفراط في بعض الصفات وتناهي الحد في بعض المزايا والخواص، هو وحده الخطر الذي يهدد الزعامة، وإنه من الخير لها أن تكون على توازن في الصفات، وتعادل في الخواص والمزايا؛ لتستقيم على وجه صالح، وتأخذ أقوم طريق.
ونحسب تقسيم العوامل المختلفة التي تؤثر في الزعامة سيئ الأثر تقسيما علميا، وجها من البحث ليس من شأننا، وإنما يصح أن نعرض لها في لغتنا ليكون ذلك مفتاحا لمن يبتغي في هذا الباب توسعا ويطلب مستزادا.
ولكن لعل أكثر هذه العوامل اتصالا بالموضوع الذي نحن بسبيله هي شهوة السلطان، وسرعة تغلب العاطفة، والمخاوف الملحة الدائبة، والإحساس بالعجز، واختلاف الشفائع والمعاذير، واختلال الوظائف الجنسية، والنزوع إلى العنف والقسوة.
ونحن متناولون هذه العوامل بالبحث إيجازا واختصارا ...
إن الرغبة في الرفعة والرياسة والسؤدد هي من غير شك أحد الدوافع الرئيسية في الإنسان، بل هي الحافز الذي يؤثر في مسلكه، ويطبع تصرفاته بلونه، ويسيطر على جميع حركاته وسكناته، وهو بلا ريب دافع طبيعي ضروري في الحياة، فكل منا يريد أن يذكر ويشاد باسمه؛ بل كل منا يريد أن يحسن في عيني نفسه ويشعر بأن له في ذاته شأنا وفضلا، والزعيم بطبيعة الحال يصيب أكثر من غيره الفرصة التي ترضي في نفسه هذا الشعور وتشبع هذه الحاسة باستخدام الزعامة وتنفيذ السلطان، ولكن هذا الحب للرفعة والرياسة والسيطرة من السهل للغاية أن يخرج زمامه من اليد، وتتسرب لجمه من القبضة، ويوم يصبح مركز الزعيم أو مجرد استحواذه على السلطان السبيل الوحيدة لإبراز السيادة، وإظهار إرادة التملك، وإبداء مظاهر النفوذ؛ تتمثل أخطار الإفراط، ويخشى من عاقبة السرف والغلو ومجاوزة الحدود.
وقد يتخذ هذا الغلو أو هذا الإفراط أشكالا متعددة، فمثلا قد يجد الزعيم في ذات نفسه الشعور بالغبطة بسبب الترفع عن السواد، والإحساس بالسمو عن الجمهرة، والزهو على الناس، والترفع عن مخالطتهم، وما يتبع ذلك من إظهار التنزل إليهم تفضلا منه وتكرما، والنزوع إلى الغرور والعجب والخيلاء والعزة والكبرياء، وقد يقتضيهم حدا مفرطا من التضامن فيه والولاء له، فيضطر بذلك إلى تقريب الملقة وإحاطة نفسه بجموع المزدلفين والمتمسحين بالأعتاب، أولئك الذين لا هم لهم إلا التأمين «بأي نعم» على كل ما يقوله، والتمداح لكل ما يفعله، والطبل والزمر أبدا من حوله، وقد يأبى إلا متابعة هواه، وتغليب إرادته على إرادة سواه، والتكبر على النزول على نصيحة النصاح ورأي الصحب والخلطاء والمشيرين.
Неизвестная страница