طه عفيفي.
عبد المجيد مرسي.
وقد زخرت ذكريات الثورة المصرية منذ سبعة عشر عاما بشواهد غزار من هذه البطولة والشجاعة الثابتة في مواجهة الموت، فقد كان الشباب والولدان يتساقطون صرعى تحت وابل الرصاص، وهم مصفقون هاتفون من فرح، منادون لمصر بالحياة، ولوطنهم بالحرية والاستقلال.
جوته.
ومن خواص ضبط النفس وردعها وامتلاك ناصيتها، أنها جميعا تعين على الحركة والتقدم «في غير عجلة، ولكن بغير تردد ولا جمود»، كما قال شاعر الألمان الأكبر جوته، بل كما كان دأبه وشعاره، وأنها تعطي صاحبها شيئا ليس عند غيره، وتختزن لديه ما ليس في مدخر سواه، وتقيم ستارا كثيفا يخفي حقيقته العميقة عن الأبصار، ويوم يصبح المرء كذلك، عميقا بعيد الغور، لا سبيل إلى اكتناه سره، وإدراك بعد غوره، واختراق أديمه إلى صميمه ولبه، يلوح للناس كأنه قد ملك شيئا ليس عندهم، ومن ثم يصبح موضع اهتمامهم، ومحل عنايتهم، ويقبلون عليه ملتفين حوله، مسلمي نفوسهم إليه، وهذه هي الزعامة المعمرة الخليقة بقيادة الناس ...
اللباقة والروح المرحة
ومن صفات الزعامة أيضا من الناحية النفسية اللباقة أو الكياسة، أو حاسة مراعاة التناسب، كما أن من صفاتها الظرف أو الروح المرحة، أو نزعة الفكاهة، أو حاسة تناول الأشياء بغير تناسب، وهاتان الحاستان قد تلتقيان في نفس الزعيم وإن كانتا في الحياة ذاتها جد مختلفتين، بل تكادان تكونان متناقضتين؛ فأما الأولى فهادئة مع تحفظ ورزانة واتزان، وأما الأخرى فصريحة متكشفة معلنة مرفوعة القيود والتكاليف.
وكلتاهما تنظر إلى الأشياء مجردة عن صلتها بالأشخاص، فإن من ينظر إلى الحياة كأنها جزء لا يتجزأ من شخصه أو نفسه، لا يصيب مكان الزعامة فيها؛ إذ يفقد صفة من أبرز صفاتها، والذين أوتوا اللباقة والروح المرحة هم الذين لا يدعون النفس تقف في طريق نظراتهم إلى الحياة.
اللباقة أو مراعاة التناسب صفة بارزة من صفات الزعماء؛ لأنها تنطوي على المماثلة والمقاربة بين النفس والغير على صورة تمنع الغير من النفور والتبرم والإعراض، كما تنطوي على مراعاة وجوه نظرهم، واحترام مشاعرهم، والنظر إليهم بعين الاعتبار.
فهي - أي اللباقة أو الكياسة - مرادف للطف التناول، ودقة الشعور، ورجاحة اللب، وحسن البداهة؛ لأنها في الواقع تأدية الشيء البسيط المعقول، البعيد من أية لائمة، المتحاشي الوقوع في معاب، وقد روي عن دوايت مورو أنه حيث وصل إلى المكسيك ليكون سفيرا فيها للولايات المتحدة لم تلبث لباقته في اختيار السبيل إلى مباشرة مهام منصبه أن أعجبت المكسيكيين، ونفت من نفوسهم كل ريبة في أنه إنما جاء ليستغلهم من أجل بلاده، وذلك أنه ظهر أمامهم يوم وصوله في بذلة الصباح، ولم يلبس الثياب الرسمية التي يرتديها السفراء وأشباههم عادة في مثل هذه الظروف، فقد سأل السفير قبيل وصوله عما إذا كانت الثياب الرسمية من عادات المكسيكيين أم عادات الأمريكيين، فقيل له إنها عادة أمريكية، فقال: حسن، إذن سأرتدي الثوب المناسب لوقت الوصول، وكان وصوله صبحا، فارتدى من ثم بذلة الصباح.
Неизвестная страница