وفي ذلك يقول لورد لويد في كتابه «مصر من عهد كرومر»: «ولكن بقيت مسألة أخرى محل نزاع، وموضع خلاف، وكانت اللحظة الراهنة مناسبة للوصول إلى قرار يكفل سكون الأفق من ناحيتها في المستقبل، وذلك أن سعدا طلب بإلحاح إدخال «نائبه» أو وكيله مصطفى النحاس باشا هيئة الوزارة الجديدة، ولكن النحاس باشا كان قد لزم دائما خطة العداء الذي لا هوادة فيه نحو بريطانيا العظمى، فكان لذلك من الجلي الواضح أن شيئا كثيرا من الخير أو النتيجة الحسنة التي تمت أخيرا سيذهب أدراج الرياح إذا هو انضم إلى الوزارة؛ إذ لا ريب في أنه سيعمل ضد التفاهم؛ لأنه لم يكن قد تعلم بعد أن العداء لبريطانيا لا يتفق مع تقدم مصر إلى الأمام ...
ولذلك حين أعلن تشكيل الوزارة في السابع من يونيو لم يكن اسمه ضمن الأعضاء الذين تألفت منهم ...»
لقد كان الإنجليز يخشون مصطفى قبل الزعامة ، ويتوجسون منه خيفة، ويدركون أن وطنيته الصادقة لا تعرف تهاونا، ولا تجنح إلى تفريط أو تساهل؛ فحاربوه من البداية كما رأيت، وأقاموا له بالمرصاد، وجلسوا إلى المرقب يعدون عليه الحركات والسكنات، ويشفقون من نمو سلطانه، وبروز مكانه، ويتخوفون من غده المنتظر.
ولم يكن دخول الوزارة عند مصطفى بالأمر الذي يكرثه، حتى يكون منعه الدخول مؤلما لنفسه؛ فهو المجاهد لعقيدته أينما يذهب، وفي أي ميدان يجول، وعلى أية ربوة يكافح، فلا عجب إذا لم يلق بالا إلى الاشتراك في الوزارة، ورضي بمجلسه بجانب سعد تحت القبة المقدسة.
وكان العامل الذي بعث سعدا على تجاهل تلك اللعبة الماكرة التي أريدت بها زحزحته عن مقعد الحكم، هو بذاته الباعث الذي سرى في نفس مصطفى إزاء العضوية في الوزارة؛ فقد كان يريد أن ينجح الائتلاف ويخرج ناجيا من كل حائل؛ لأنه كان أحد السعاة فيه، والمشاة به، والعاملين عليه؛ حتى لقد قيل يومئذ حين تحدث محمد محمود باشا إلى فتح الله بركات باشا في فكرة الائتلاف وطرح الشقاق ووحدة الكلمة: إن المرحوم فتح الله ذهب إلى سعد فأبلغه حديث صاحبه، ولكن سعدا فضل أن يستشير مصطفى أولا؛ فلما رحب مصطفى بالفكرة عمد سعد في الحال إلى التنفيذ.
ولا ريب في أن ذلك الائتلاف الذي تم يومئذ أنقذ الدستور والحكم النيابي، ولكن كان نظر الوفد إليه غير نظر الإنكليز؛ فقد كان الوفد يرجو من ورائه اجتذاب الأقلية إلى الرضا بمبادئ الدستور ورياضة النفس على قبول قواعده بسبيل الحكم وولايته، حتى لا تعود السياسة البريطانية تحاول توهين الحركة القومية من طريق الاستعانة بالقليل من الكثرة الغالبة، والمد لهم في السلطان لمحاربة الكثرة، والحمل عليها بالبطش والعدوان.
ولكن الإنكليز كانوا يرون غير ذلك، وكان لورد لويد ذلك الاستعماري المسرف في استعماريته، ينظر إلى الائتلاف من ناحية استعماريته النظرة التي وضعها في كتابه بقوله بعد الحديث عن الخطر من ازدياد نفوذ القصر وتدخله في شئون الحكم، وهو الخطر الذي أراد الإنكليز أن يتحاشوه بإسقاط الوزارة السابقة: «وكانت الفرصة سانحة في ذلك السكون الذي ساد الأفق لأول مرة، عقب الأشهر العصيبة الأخيرة؛ لكي يستوي المرء في مجلسه، ويروح يراجع ما فعله، ويعود بالذاكرة مستعرضا ما كان منه، ويقدر الحوادث المختلفة التي جرت في بضعة الأشهر الماضية قدرها الصحيح ...
لقد لاح لي بعد هذه المراجعة أن هناك ما يدعو إلى اليقين بأن السياسة التي اتبعتها يومئذ تبرر ذاتها كل التبرير، وإن لم يكن بالطبع يتيسر تجاهل الحقيقة في أمر سعد زغلول، وهي أن حالته الحاضرة يحتمل أن تكون حالة عارضة لا تلبث أن تزول، فقد كانت الحكمة تقضي بأنه لا يحسن الخروج لمقابلة الشر قبل ظهوره، أو استفزازه من مكامنه.
لقد سلكنا في الواقع الطريق القويم، إذ رددنا الحكم الدستوري وعقبناه بتأليف حكومة يظفر نفوذ المعتدلين فيها، أو «أحباب الإنكليز»، «الأنجلوفيل» (Anglophile)
بالنصيب الأوفر والحصة الكبرى، كما أن الحكومة البريطانية لم تجد ثم ضرورة تدعو إلى التدخل في الإدارة المصرية، وكل ما فعلته أنا هو أنني بسطت رغباتها ونبت عنها أمام خصومها، وحين جاءوا يلتمسون نصيحتي ويبغون مشورتي لم أبخل بشيء منها عليهم بل أعطيتها جميعا، ولكني راعيت في إسدائها ألا أتجاوز بها الحد المعين بحكم التقاليد لمنصب الممثل البريطاني في مصر.»
Неизвестная страница