60

قدمه على البديع للاحتياج إليه في نفس البلاغة وتعلق البديع بالتوابع (وهو علم) أي ملكة يقتدر بها على ادراكات جزئية أو اصول وقواعد معلومة (يعرف به ايراد المعنى الواحد) أي المدلول عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال (بطرق) وتراكيب (مختلفة في وضوح الدلالة عليه) أي على ذلك المعنى بان يكون بعض الطرق واضح الدلالة عليه وبعضها اوضح والواضح خفى بالنسبة إلى الاوضح فلا حاجة إلى ذكر الخفاء. وتقيد الاختلاف بالوضوح ليخرج معرفة ايراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في اللفظ والعبارة. واللام في المعنى الواحد للاستغراق العرفي أي كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم وارادته فلو عرف احد ايراد معنى قولنا زيد جواد بطرق مختلفة لم يكن بمجرد ذلك عالما بالبيان ثم لما لم يكن كل دلالة قابلا للوضوح والخفاء اراد ان يشير إلى تقسيم الدلالة وتعيين ما هو المقصود ههنا فقال: (ودلالة اللفظ) يعنى دلالته الوضعية. وذلك لان الدلالة هي كون الشئ بحيث يلزم من العلم به العلم بشئ آخر والاول الدال والثانى المدلول. ثم الدال ان كان لفظا فالدلالة لفظية والا فغير لفظية كدلالة الخطوط والعقود والاشارات والنصب. ثم الدلالة اللفظية اما ان يكون للوضع مدخل فيها أو لا فالاولى هي المقصودة بالنظر ههنا وهى كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى عند الاطلاق بالنسبة إلى العالم بوضعه، وهذه الدلالة (اما على تمام ما وضع) اللفظ (له) كدلالة الانسان على الحيوان الناطق (أو على جزئه) كدلالة الانسان على الحيوان أو الناطق (أو على خارج منه) كدلالة الانسان على الضاحك. (وتسمى الاولى) أي الدلالة على تمام ما وضع له (وضعية) لان الواضع انما وضع اللفظ لتمام المعنى (و) يسمى (كل من الاخيرتين) أي الدلالة على الجزء والخارج (عقلية) لان دلالة اللفظ على كل من الجزء والخارج انما هي من جهة حكم العقل بان حصول الكل أو الملزوم يستلزم حصول الجزء أو اللازم والمنطقيون يسمون الثلاثة وضعية باعتبار ان للوضع مدخلا فيها ويخصون العقلية بما يقابل الوضعية والطبيعية كدلالة الدخان على النار. (وتقيد الاولى) من الدلالات الثلاث (بالمطابقة) لتطابق اللفظ والمعنى. (والثانية بالتضمن) لكون الجزء في ضمن المعنى الموضوع له. (والثالثة بالالتزام) لكون الخارج لازما للموضوع له. فان قيل إذا فرضنا لفظا مشتركا بين الكل وجزئه وبين الملزوم لازمه كلفظ الشمس المشترك مثلا بين الجرم والشعاع ومجموعهما فإذا اطلق على المجموع مطابقة واعتبر دلالته على الجرم تضمنا والشعاع التزاما فقد صدق على هذا التضمن والالتزام انها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له وإذا اطلق على الجرم أو الشعاع مطابقة صدق عليها انها دلالة اللفظ على جزء الموضوع له أو لازمه وحينئذ ينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاث بالاخريين. فالجواب ان قيد الحيثية مأخوذ في تعريف الامور التى تختلف باعتبار الاضافات حتى ان المطابقة هي الدلالة على تمام ما وضع له من حيث انه تمام الموضوع له والتضمن هي الدلالة على جزء ما وضع له من حيث انه جزء ما وضع له والالتزام هي الدلالة على لازمه من حيث انه لازم ما وضع له وكثيرا ما يتركون هذا القيد اعتمادا على شهرة ذلك وانسباق الذهن إليه. (وشرطه) أي الالتزام (هي اللزوم الذهنى) أي كون المعنى الخارجي بحيث يلزم من حصول المعنى الموضوع له في الذهن حصوله فيه اما على الفور أو بعد التأمل في القرائن والامارات. وليس المراد باللزوم عدم انفكاك تعقل المدلول الالتزامى عن تعقل المسمى في الذهن اصلا اعني اللزوم البين المعتبر عند المنطقيين والا لخرج كثير من معاني المجازات والكنايات عن ان يكون مدلولات التزامية. ولما يتأتى الاختلاف بالوضوح في دلالة الالتزام ايضا وتقييد اللزوم بالذهنى اشارة إلى انه لا يشترط اللزوم الخارجي كالعمى فانه يدل على البصر التزاما لانه عدم البصر عما من شأنه ان يكون بصيرا مع التنافى بينهما في الخارج ومن نازع في اشتراط اللزوم الذهنى فكأنه اراد باللزوم اللزوم البين بمعنى عدم انفكاك تعلقه عن تعقل المسمى. والمصنف اشار إلى انه ليس المراد باللزوم الذهنى البين المعتبر عند المنطقيين بقوله (ولو لاعتقاد المخاطب بعرف) أي ولو كان ذلك اللزوم مما يثبته اعتقاد المخاطب بسبب عرف عام إذا هو المفهوم من اطلاق العرف (أو غيره) يعنى العرف الخاص كالشرع واصطلاحات ارباب الصناعات وغير ذلك (والا يراد المذكور) أي ايراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح (لا يتأتى بالوضعية) أي بالدلالة المطابقة (لان السامع إذا كان عالما بوضع الالفاظ) لذلك المعنى (لم يكن بعضها اوضح دلالة عليه من بعض والا) أي وان لم يكن عالما بالوضع الالفاظ (لم يكن كل واحد) من الالفاظ (دالا عليه) لتوقف الفهم على العلم بالوضع مثلا إذا قلنا خده يشبه الورد فالسامع ان كان عالما بوضع المفردات والهيئة التركيبية امتنع ان يكون كلام آخر يؤدى هذا المعنى بطريق المطابق دلالة اوضح أو اخفى لانه إذا اقيم مقام كل لفظ ما يرادفه فالسامع ان علم الوضع فلا تفاوت في الفهم والا لميتحقق الفهم. وانما قال لم يكن كل واحد لان قولنا هو عالم بوضع الالفاظ معناه انه عالم بوضع كل لفظ فنقيضه المشار إليه بقوله والا يكون سلبا جزئيا أي لم لم يكن عالما بوضع كل لفظ فيكون اللازم عدم كل لفظ ويحتمل ان يكون البعض منها دالا لاحتمال ان يكون عالما بوضع البعض.

Страница 185