Избранные английские рассказы
مختارات من القصص الإنجليزي
Жанры
1
فقعدت وأجلت عيني فيما ترامى أمامي من مناظر هذه الدنيا القديمة كما تبدو في مغرب ذلك اليوم الطويل، وكان المنظر كأجمل وأحلى ما صافح عيني، وكانت الشمس قد مالت وغابت وراء الأفق الغربي فكسته ورسا مذعذعا تشيع فيه خطوط أرجوانية وقرمزية، وهناك في الوادي نهر التيمز كأنه شريط من المعدن المصقول. وقد أسلفت الإشارة إلى القصور الكبيرة المنتثرة بين الزروع، وبعضها خرائب والبعض عامر بسكانه، وكنت أرى - هنا وهنا - تماثيل فضية في الحدائق المهملة، ورءوس مسلات وقمم قباب، ولم يكن ثم لا سور ولا سياج، ولا ما يشير إلى حق امتلاك، ولا أثر لزراعة، كأنما صارت الأرض كلها حدائق وبساتين.
وشرعت وأنا أتأمل هذه المناظر أستجلي دلالتها، فخطر لي ما يأتي (وقد تبينت فيما بعد أنه نصف الحقيقة، أو لمحة واحدة منها).
خيل إلي أني أدركت الإنسانية في منحدرها، وأغراني مغرب الشمس بالظن بأن هذا أيضا مغرب الإنسانية، وأدركت لأول مرة النتائج الغريبة للجهد الاجتماعي الذي نعالجه الآن، وهي نتائج منطقية إذا فكرت فيها فإن القوة نتيجة الحاجة، والأمن يولد الضعف، وقد بلغ العمل على تحسين أحوال الحياة وجعلها أتم أمنا وأوفى اطمئنانا، غايته على الأيام. وتوالت انتصارات الإنسانية المتحدة على الطبيعة، وصار ما هو الآن من الأحلام مشروعات تدبر وتعالج وتنفذ. وهذا الذي أراه هو الحصاد.
وما زالت أحوالنا الصحية والزراعية اليوم في مراحلها الأولى، وما غزا العلم في زماننا هذا سوى جانب صغير من ميدان الأمراض الإنسانية وإنه، على هذا، ليوسع نطاق عمله باطراد، ونحن في باب الزراعة والفلاحة نعدم بعض الأعشاب ونستنبت طائفة من الزروع الصالحة، ولكنا ندع أكثرها يكافح في سبيل الحياة على قدر طاقته، ونؤثر بعض النبات والحيوان - وما أقل ذاك - بعنايتنا، ونحسنها شيئا فشيئا بالانتخاب، فتارة نخرج خوخة أحلى، وتارة أخرى نخرج عنبا لا بذر له، وطورا تثمر جهودنا زهرة أكبر وأجمل، وطورا آخر أنعاما أنفع وأصلح. ونحن نرقي هذه وتلك تدريجيا لأن غاياتنا غامضة، ووسائلنا تجريبية، ومعارفنا نزرة محدودة، ولأن في الطبيعة خفرا وسذاجة. وسيجيء يوم يكون فيه التنظيم أوفى وأتم، فإن هذا هو اتجاه التيار على الرغم من خضربته واضطرابه وموج بعضه في بعض وتراكبه في جريه. وستكون الدنيا كلها ذكية، متعلمة متعاونة، وتكون خطواتنا أسرع فأسرع، في سبيل إخضاع الطبيعة، ويتسنى لنا في النهاية أن ندبر أمور الحيوان والنبات على وجه يكون أوفق لنا وأكفل بقضاء حاجاتنا الإنسانية.
ولا بد أن يكون هذا الإصلاح قد تم على وجه حسن، وأصبح أمره مفروغا منه في مسافة الزمن التي اجتازتها آلتي، فقد خلا الجو من الدويبات، والأرض من الأعشاب والفطريات، وحفلت بالفواكه اليانعة والأزاهير الزهراء، وخفقت الفراشات الزاهية الألوان هنا وهناك، وبلغ الإنسان غايته من العلاج الوقائي، فلا أدواء ولا أمراض، ولم أر أي أثر لوجود أمراض معدية، في أثناء إقامتي، وسأحدثكم فيما بعد عن الانحلال والفساد وكيف تأثرا بما حدث من التغير.
ووفق الإنسان كذلك، إلى كثير من وجوه الإصلاح الاجتماعي، فرأيت الناس يأوون إلى مساكن فخمة، ويرتدون ثيابا رائعة، ولم أر أنهم يتعبون ويكدون، فلا أثر لكفاح ولا لنضال اجتماعي أو اقتصادي. واختفى الدكان والإعلان، وانقطعت حركة التجارة التي يقوم عليها عالمنا. وكان من الطبيعي في ذلك المساء الذهبي أن تتمثل لي صورة الفردوس الاجتماعي، فقد عولجت زيادة السكان، على ما بدا لي فكفوا عن الزيادة.
وجاء مع انتقال الأحوال وتغيرها ما لا بد منه من التكيف الذي تتطلبه الأحوال المتغيرة، وما هي علة الذكاء والنشاط، إذا لم يكن علم الحياة كوما من الأغاليط؟ المعاناة والحرية - أحوال تجعل النشيط، القوي، الحاذق، يبقى، والذي هو أضعف يذهب - أحوال تستوجب التآزر المخلص، بين الأكفاء القادرين، وتقتضي ضبط النفس والجلد والحزم. وقد وجد نظام الأسرة وما ينشئه من العواطف، ويبعثه من الغيرة العنيفة، والحب للنسل، والبر الأبوي، ما يسوغه من الأخطار التي يتعرض لها الصغار. والآن أين هذه الأخطار؟ لقد بدأ الشعور، وسيقوى على الزمن، باستهجان الغيرة والأمومة العنيفة، وكل ضرب من العواطف القوية، وصارت هذه حالات لا ضرورة إليها، حالات تورثنا المتاعب وتجعل منا متخلفات وحشية، وشذوذا ونشازا في حياة طيبة مصقولة.
وفكرت في صغر أجسام الناس، وقلة حظهم من الذكاء، وفي هذه البنى الضخمة المهجورة المتداعية، فزدت إيقانا بأن الطبيعة قهرت. وبعد المعركة يجيء السكون. وقد كانت الإنسانية قوية نشيطة، واستخدمت حيويتها الزاخرة في تغيير الأحوال، التي تعيش فيها، فالآن حدث رد الفعل الذي يتلو التغير.
وفي هذه الأحوال الجديدة - أحوال الرغد والأمن - ينقلب النشاط المتواصل - وهو مبعث قوة لنا - ضعفا. وحتى في أيامنا هذه نرى بعض النزعات والأهواء التي كانت لازمة للبقاء، مصدرا ثابتا للإخفاق؛ فالشجاعة وحب النضال مثلا لا يعدان عونا يستحق الذكر للإنسان المتحضر، وقد يكونان عقبة في سبيله. وحتى صارت الأحوال إلى الاتزان والأمن، فإن القوة - عقلية كانت أو بدنية - لا يبقى لها محل. وقد بدا لي أن سنين لا يأخذها الإحصاء قد انقضت بلا حرب أو خوف من حرب أو عنف، أو خطر من وحش ضار، أو مرض وبيل تحتاج مقاومته إلى قوة بدنية، أو حاجة إلى كد، وفي مثل هذه الحياة يكون من نسميهم الضعفاء مهيئين لها كالأقوياء - بل هم لم يعودوا ضعفاء - ولعلهم أصلح للحياة وأحسن تهيؤا لها، لأن الأقوياء يعذبهم النشاط الذي لا حاجة إليه ولا متنفس له، وما أشك في أن جمال المباني التي رأيتها كان ثمرة آخر لجب في موج النشاط الإنساني الذي لم يعد لازبا، قبل أن يوطن الإنسان نفسه على السكون إلى الأحوال الجديدة التي يحيا في ظلها، وقد كان هذا أبدا مآل النشاط عند الاستقرار، يتحول إلى الفن والجمال، ثم يجيء الفتور، والهمود، والاضمحلال.
Неизвестная страница