Мухаммад Али Джиннах
القائد الأعظم محمد علي جناح
Жанры
تعلم في مكتب أولي من المكاتب التي تتابع النظام المألوف في تعليم الصغار في الشرق منذ عشرات القرون، ثم تعلم في مدرسة حديثة تابعة لجماعة إسلامية، ثم تعلم في مدرسة حديثة تابعة لجماعة مسيحية، ثم تعلم في الجامعات الإنجليزية، وتلقى خارج الجامعات ما يتلقاه الشاب في ذلك العصر من المعارف العامة الميسرة لمن يختلفون على الأندية وأصحاب الآراء.
وهذا التباين في نظم التعليم يضر بعقل الطفل إذا تناقضت النظم وتضاربت ومحا بعضها ما يثبته البعض الآخر، ولكنه يفيده إذا تنوع في غير تناقض وتضارب، وقد يعود الطفل أن ينظر مبكرا إلى تعدد الجوانب وتباعد وجهات النظر، ولا سيما الطفل الذكي الموهوب المطبوع على حب المعرفة والتوسع في الاطلاع.
وقد كان جناح محبا للمعرفة متوسعا في الاطلاع منذ طفولته الأولى، كما علمنا من بعض أخباره في نحو الثامنة من عمره، إلا أن هذه الأخبار لم تذكر لنا موضوعاته التي كان يغرم بمطالعتها في تلك السن الغضة الباكرة، ولكنها على الأرجح من غير القصص وكتب التسلية الصبيانية؛ لأن الطفل الذي يطمح إلى أن يكون شيئا في الدنيا كما روت عنه قريبته الكبيرة لا يتوهم أن كتب التسلية عون له على هذا الطموح، ولا نحسب أن اللغة الكوجراتية في أواخر القرن التاسع عشر كانت تشتمل على زاد من القصص وكتب التسلية يحسب فيها حساب الأطفال الصغار.
على أن موضوعاته التي أولع بها في إنجلترا قد تنبئ عن الموضوعات التي كان يجنح إليها بتفكيره وميول نفسه منذ طفولته الأولى، وأوفر هذه الموضوعات نصيبا من إقباله وعنايته دروس القانون والأدب، ومراجع التاريخ من ناحيته السياسية على الخصوص.
كان يتعلم القانون رغبة واستعدادا لا لمجرد التوسل به إلى مناصب القضاء والإدارة، وكان ذهنه من أذهان الفقه والمحاماة والفصاحة الخطابية طبعا وفطرة لا تعلما ومراسا بالصناعة.
وكان غرامه بالأدب شغلا شاغلا يكاد أن يتفرغ له لولا قدرته على تنظيم دراسته وتقسيم وقته، فاشترك في ناد يدرس أعضاؤه روايات شكسبير قراءة وشرحا وتمثيلا، ومثل بعض الشخصيات في رواياته التاريخية وغير التاريخية، وراض لسانه وحركاته على الإلقاء المسرحي حتى لزمته هذه العادة في مرافعاته وخطبه، فلوحظ عليه أنه يسترسل في الإلقاء الفني على غير انتباه منه، وكان خصومه يغتنمون هذه الفرصة فينعتونه بوصف الممثل قدحا في آرائه السياسية أو حججه القانونية، وهو مطعن سهل رخيص قد تسوغه إشارات الرجل وحركاته بحكم العادة، ولكن ليس في أقواله ومعانيه جميعا ما يسوغ ذلك المطعن لمن ينصفون في النقد والاتهام.
وقد لزمته عادة الإلقاء الفني من أوائل أيامه في الحياة النيابية إلى أخريات أيامه في الزعامة وإقامة الدولة، وأفحم مرة أحد الأعضاء الإنجليز في الجمعية التشريعية أثناء المناقشة الحامية على الاتفاق التجاري بين بريطانيا العظمى والهند، فقال العضو الإنجليزي - واسمه السير جيمس - إن الأستاذ جناحا كوكب لامع: كوكب يشبه جريتا جاربو في ملكاته التمثيلية، فأخذ جناح يكرر آراء السير جيمس الفاجعة ووعيده بهجوم اليابان، وإحجام الدولة البريطانية ومستعمراتها عن معاملة الأسواق الهندية، وقال: لعل صاحبنا لا يحسن كلاما غير الإنذار بالفواجع، إنها ملكة جديرة بممثلة المآسي مارلين ديتريش ... وإن هذه الفاجعة نفسها المأساة!
وكان هذا في سنة 1939؛ أي بعد عودته من البلاد الإنجليزية بأكثر من أربعين سنة .
ولم يكن إلقاؤه الفني كل ما بقي من عاداته منذ دراسة الأدب والاندماج في الجو الشكسبيري أو جو الشعر المسرحي على الإجمال، بل كان عرض التاريخ عرضا حيا أحد الفوائد الفكرية والنفسية التي غنمتها قريحته اليقظى من أدب شكسبير، وكانت سرعة الشاهد الأدبي على لسانه تارة من كلام شكسبير، وتارة من كلام بروننج وزملائه في عصره إحدى الفوائد التي تصلح لمواقف الخطابة والمساجلة، وكانت فيما عدا ذلك منصرفا حسنا له عن هموم الحياة الخاصة ومزعجات السياسة كلما ضاقت حلقاتها، وكثيرا ما تضيق.
وعرف زملاؤه عنه في لندن أنهم إذا بحثوا عنه فلم يجدوه؛ تفقدوه في مكتبة المتحف البريطاني؛ حيث يجد بغيته من أسفار التاريخ ونسخ المراجع النادرة في السياسة العصرية والسياسة الغابرة، وكانت ساعاته في لندن مقسمة بين الجامعة ومكتبة المتحف ونادي شكسبير وواجبات المجتمع التي لم ينسها قط طول حياته، ومنها زيارة إخوانه من أبناء الهند وأصحابه وأصحاب أسرته من الإنجليز.
Неизвестная страница