ونتيجة لكل هذه المداخلات الشعوبية والإمبريالية فقد نشأت واندثرت عشرات المدن والقرى الساحلية بأسماء متعددة غالبيتها يصعب تتبعها مكانيا واتساعا. وربما كانت الأسماء في العصر الهلنستي والروماني أكثرها تحقيقا: كانوب هي أبو قير وراقودة معروفة محل كوم الشقافة، وتابوسيرس هي أبو صير وإلى جوارها تينيا، ولوكابسيس هي مارينا والعلمين، ثم أمونيا أو باريتونيوم هي البرطون في العصر العربي وهي مطروح حاليا، وإنيسفورا هي سيدي براني، وكاتابثوس هي السلوم، وميريوتس أو ماريا هي بحيرة مريوط التي كانت أضعاف مساحتها الحالية وأكثر سكانا وعمرانا وإنتاجا وتجارة، ومرمريكا هي مراقية عند العرب. وفي شمال سيناء وحسب بطليموس السكندري نجد رافيا هي رفح، ورينو كورورا هي العريش، وسربونيس هي بحيرة البردويل، وكاسيوس هو كثيب القلس على ساحل البردويل الشمالي، وبلزيوم هي الفرما ... إلخ. وما زالت الأبحاث الأركيولوجية نشطة في بعض الأماكن لتدلنا على قيمة الشواطئ الشمالية استراتيجيا وعمرانا مما لا زلنا نجهله. (9-2) أسباب تأخر اقتصاديات الاصطياف الساحلي؟
منذ أمد بعيد، وبحكم ظروف مصر المناخية، لم تكن هناك حاجة إلى مصايف على سواحل مصر الشمالية. فأرض مصر كانت تقع في معظمها في ظل مناخ أقرب إلى الاعتدال معظم أشهر السنة. في الشتاء الجو غالبا مشمس نهارا عدا أيام النوات وتساقط المطر وتكوينات السحب البديعة التي تتفاعل مع أشعة الشمس في صور أوحت للمصريين منذ القدم بكينوننة آلهة السماء. وفي الصيف كانت المساحات الخضراء حول المدن والقرى تسهم مع نمط البناء من الطوب اللبن أو الحجر في تخفيض درجة الحرارة داخل البيوت مع وجود الشبابيك المواجهة لرياح الشمال، والمشربيات التي تقلل تسرب أشعة الشمس داخل الحجرات - كلها عوامل ساعدت على مرور تيارات هوائية ملطفة. باختصار كان الناس يتعايشون مع البيئة المصرية سواء في المدن أو القرى بطريقة فيها إبداع التجربة الحضارية آلاف السنين.
لهذا فعلى الأغلب لم يكن سكان القاهرة والمدن الداخلية في حاجة إلى رحلة الصيف إلى الساحل لأسباب عدة منها: (1)
غالب البيوت مبنية بالحجر الذي لا يساعد على البناء لأكثر من خمسة وستة طوابق. هذا فضلا عن أن معظم البيوت ملك لساكنيها ولا تزيد عن طابق أو اثنين وبالتالي فإن موانع اجتماعية كانت تحول دون انتشار واسع لنمط العمائر العالية حفاظا على خصوصية العائلة حين تقضي بعض الوقت في حوش البيت أو السطح في ليالي الصيف. لكن نمو سكان القاهرة بنسب عالية أدى إلى تغير البناء إلى أبراج الأسمنت والزجاج فكان ذلك من دواعي الحاجة إلى المصيف الساحلي. (2)
كانت ضفاف النيل ونزهة القوارب الشراعية في برك وبحيرات القاهرة قبل تجفيفها في القرن 19 - مثل برك الأزبكية والفيل والحبش - تشكل العنصر الأساسي في حركة ناس القاهرة صيفا، وأذكر أن الضفة الجنوبية للجزيرة بما فيها حديقة النزهة كانت مفتوحة أمام الناس للتمتع بليالي صيف القاهرة البديعة قبل أن تقتطع منها مساحات لشيراتون الجزيرة ومبنى قيادة الثورة وكازينو قصر النيل. وبالمثل كانت ضفاف النيل في روض الفرج وبولاق وعند القصر العيني والمنيل وبين فم الخليج وكوبري الملك الصالح، حيث الأشجار الضخمة تمثل انفراجات مجانية للناس لقضاء ساعات في الهواء الطلق والتمتع بمنظر النيل الزاخر بماء الحياة. (3)
كان الكثير من سكان المدن المصرية الكبرى ما يزالون مرتبطين بأهلهم في الريف، وبعضهم كان حريصا على قضاء بعض الصيف في القرية استمرارا لعلاقة الأبناء بأقاربهم وأملاكهم. وبطبيعة الحال فإن مناخ الريف كان ألطف من المدينة بحكم المساحات الخضراء الواسعة وخامة البناء التي تقلل من حر الصيف. (4)
بعض المصريين كانوا يسافرون إلى المصايف اللبنانية الجبلية الجميلة مثل مناطق جزين وضهور الشوير وصوفر. وكذلك كان البعض الذين لهم أقارب في تركيا يذهب إلى اسطنبول وغيرها من المدن التركية. وأخيرا يصطاف المثقفون القادرون وأسر الأغنياء المتنورين في فرنسا وسويسرا حيث تساعد ثقافتهم الفرنسية على الاستمتاع والمزيد من المعرفة والتعارف. وبالمثل كان بعض أبناء الجاليتين اليونانية والإيطالية يذهبون إلى بلادهم صيفا لتدعيم الروابط الثقافية مع أصولهم في جنوب أوروبا. (9-3) تاريخ وأنماط المصايف الشمالية والنمو الجائر
في هذا المجال نلاحظ ثلاثة أنماط من المصايف أولهم: شواطئ ضواحي وغرب الإسكندرية، والثاني: انتشر على سواحل الدلتا وتمثله رأس البر خير تمثيل، أما الثالث: فهو قرى المصايف الحديثة التي تمثل مشكلات عويصة. وكان مجال امتداد النمط السكندري في اتجاهين؛ أولهما: شرقا إلى الرمل بشواطئه وجوناته، وثانيهما: الامتداد غربا على طول الساحل في نقاط متعددة أهمها العجمي ومطروح. وكان الرواد الأول لهذه المصايف هم أثرياء الإسكندرية والقاهرة وبعض أبناء الجالية اليونانية يصطافون ويقدمون الخدمات اللازمة بحيث كانت تلك المصايف أشبه بالقرى والمدن الإغريقية الصغيرة تنتشر على طول شارع خدمات رئيسي - فنادق ودكاكين صغيرة ومطاعم وكازينو، وتحتضن رمال الشاطئ عن قرب بحيث لا تعيق الرؤية العامة للبحر الذي يظل مفتوحا أمام الجميع لممارسة السباحة أو صيد الأسماك وغيرها من مباهج الاستمتاع بحرية الحركة والنشاط الصيفي بعيدا عن روتين حياة المدينة بقية العام.
أما نمط رأس البر فالغالب أنه نمط مصري صميم نشأ عن رغبة سكان دمياط في التحرر صيفا من كثافة السكن في المدينة وضجيج أعمالها الحرفية المتعددة. وصادف ذلك موقعا جغرافيا فريدا عند التقاء مصب فرع دمياط بالبحر في صورة مثلث ضلعه الشمالي على البحر وضلعه الشرقي على النهر فيما عرف باسم «الجربي»، حيث كانت تتركز خدمات الفنادق والكازينو والمطاعم والسهر الليلي. ويتميز هذا النمط بأن الأبنية كانت عبارة عن عشش من «الكيب» - سيقان مجدولة من نبات البوص وما شابه، بحيث كانت تعطي تهوية ممتازة لغرف العشة، وبالتالي كانت تمثل مصيفا بيئيا متفردا بعيدا تماما عن بيت المدينة يحس معه الناس بالانتقال الفعلي إلى أجواء أخرى تنسجم وحرية النشاط الصيفي. وبطبيعة الحال كان «كيب» هذه العشش يطوى في الشتاء ويخزن حتى لا تبليه الأمطار. وقد نجح مصيف رأس البر بهذه المواصفات فأصبح له رواده الدائمين من القاهرة والمنصورة ومدن أخرى بحيث أضفوا على رأس البر جوا من الألفة والمحبة لمدد طويلة، وكان من بين رواده الدائمين السيدة أم كلثوم وعدد من عائلات وجهاء مصر.
وقد كان لنجاح نمط رأس البر أثره في الامتداد شرقا إلى شاطئ بورسعيد الذي كان يمتلأ بالعشش صيفا، وذلك إلى جانب البنسيونات والفنادق التي تخدم رجال الأعمال من المصريين ومن الجاليات الأجنبية في بورسعيد بحكم أنها مرتبطة بحركة التجارة والسفن العابرة للقناة. وربما كان نمو مصيف عشش بورسعيد قد حركه في البداية مجموعة من مستثمري دمياط، فالعلاقة وثيقة وقريبة بين المدينتين. وأصبح لشاطئ بورسعيد زوار دائمين وإن لم تبلغ قدر ما بلغه مصيف رأس البر، بحكم التاريخ ودمار الحروب المتتابعة على بورسعيد. وحينما فكرت محافظات وسط الدلتا أن تبني لمحافظاتهم شواطئ اصطياف فقد وقع الاختيار على نمط عشش رأس البر في بلطيم ثم في جمصة.
Неизвестная страница