От вероисповедания к революции (1): Теоретические предпосылки
من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية
Жанры
5
فضل الأشاعرة - بدافع الإيمان ودون نظر لتأسيس العلم ما دام الإيمان يعطي اليقين والعلم، ما هو إلا مبرر سطحي له لترويجه وسط العامة - فضلوا إفادة النظر للعلم عادة وخلقا. كلما حدث النظر أفاد العلم، وبالتكرار تنشأ العادة على ربط النظر بالعلم، وعلى وقوع العلم بعد النظر. وهو تصور آلي خالص، ينكر عمل الشعور الداخلي. أما الخلق، فإنه يحدث بتدخل إرادة خارجية تجعل النظر يفيد العلم، وهو التصور المعارض للعادة. يؤدي إنكار التوليد إذن إلى التصور الآلي الذي ينكر حياة الشعور، وجعلها قاصرة على الانطباعات الحسية أو إلى التصور الإرادي الخارجي الذي يجعل الشعور محلا لأفعال أخرى خارجية عنه. وكلا التصورين إنكار لحياة الشعور واستقلاله؛ التصور الآلي تصور ميت لا حياة فيه، يجعل الشعور في حالة من السلب الدائم، لا ينفعه تدخل إرادة خارجية لإحيائه؛ لأنه لا يقوى على ردها، ما هو إلا مستقبل لها، عاكس لما تريد. وكأن الشعور أصبح محاصرا بين طبيعة ميتة وإرادة خارجية لا تفعل إلا في الأموات، والإنسان نفسه لا وجود له كحياة وشعور وأفعال.
6
إنكار التوليد هدم للعلم وللرابطة الضرورية بين المقدمات والنتائج، وإلا فإنه يمكن سماع الخبر دون حدوث العلم. ولما كان الوحي قد أتانا بالخبر، فإن إنكار التوليد يؤدي إلى إنكار العلم بصحة الكتاب وبصدق الوحي. إيجاب النظر إذن إيجاب للعلم، ولا وجود لسبب دون المسبب. كمال النظر بتوليد العلم، وكلاهما مقدور للإنسان حسب الدواعي. ولو لم يكن الإنسان قادرا على النظر والعلم لما كان قادرا على أضدادهما من النظر والشك. وإذا كان النظر واجبا بالاضطرار فإن المعرفة واجبة بالاستدلال، وجوب النظر ليس متعذرا؛ فهو في الأول مناط التكليف وفي الثاني مولد للعلم.
7
ولا ينفي وقوع التوليد بطريقة لا شعورية وقوع التوليد؛ لأن إدراك التوليد يتطلب قلب النظرة من الخارج إلى الداخل، ورؤية عمل الشعور رؤية مزدوجة. ومع ذلك فالعلم بالعلم ممكن اضطرارا، بل إن العلم بالعلم أساس العلم. يمكن معرفة وجوب النظر للعلم، وهي نظرية العلم ذاتها، وتتبع أحوال الشعور ووصف أفعاله التي بها يتأسس العلم. توليد النظر للعلم هو علم العلم ويحتاج إلى نظر واستدلال، ولا يكون بالضرورة علما ضروريا.
8
ولا يعني ارتباط العقل بالحس ونشأة جزء من مادة النظر من الحس الشك في توليد النظر للعلم؛ فالنظر قادر على إحضار الغائب، وهو ما لا يستطيعه الحس، وقادر على تأمل ما يغيب عن الحس. والعقل قادر على تصحيح أي خطأ في المادة الحسية، وهو قادر كما وكيفا على تجاوز الحس. ويصعب الشك في صحة الإدراك الحسي؛ لأن الحس أحد مصادر المعرفة وأحد وظائف الشعور، والشك فيه يفصله عن عالم الشعور، ويصبح الشعور مجرد وعي فارغ بلا عالم. ولا يمكن رد كل النظر العقلي إلى الحس لأنه أوسع نطاقا وأشمل منه، وكلاهما من أفعال الشعور مع معطيات الوجدان. والكل داخل الشعور المعرفي الذي هو في نفس الوقت إحساس بموقف وإدراك لطبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها الجماعة.
9
ولا ينفي الوقوع في الخطأ توليد النظر للعلم؛ إذ يمكن معرفة أسباب الخطأ وتصحيحها ومراجعة النظر في مقدماتها واستدلالاته. الخطأ شائع ويمكن تصحيحه بمقاييس الصدق مثل سكون النفس، والمطابقة مع الواقع واتساق الفكر مع نفسه وانكشاف ماهيات الأشياء في الشعور. فقد يحدث الخطأ من الحواس أو العقل أو الوجدان، ولكن حدوث خطأ في وظائف الشعور يصحح بعضها بعضا، وبالتالي لا ينفي توليد النظر للعلم.
Неизвестная страница