أي أشعة الشمس النقية وعين النهار المبصرة، ها أنت ذي تعودين إلى الإشراق يجلوك ضوء شديد البهجة والرواء، على ثيبة ذات الأبواب السبعة تمشين فوق ينابيع دركا وتحملين على الهرب والفرار في ضجيج وعجيج. هذا الأرجي تحميه درقة لامعة، أديستوس هذا الذي أقبل في عدد وعدة يحصر أسوارنا، لقد كان يشتعل غيرة وحماسة منتصرا لمزاعم بولينيس.
لقد طار يمشي ممزقا الهواء بصراخه كالنسر ينقض على فريسته، وقد بسط جناحيه يجلوهما بياض البرد، يتبعه جمع ضخم من السلاح والخوذ، وقف على أسوارنا وقد أحاطت به أسنته عطاشا إلى دمائنا، لقد كان يخيل إلى من يراه أنه يوشك أن يلتهم أبواب المدينة. ولكنه اختفى قبل أن تنقع دمائنا غلته، وقبل أن تحيط نيرانه الملتهبة ببروجنا ومعاقلنا؛ لأن أريس صديق الثعبان الذي كان يهاجمه هذا العدو قد ملأ أذنيه بما أحدث من ضوضاء، إن زوس ليمقت الغطرسة والكبرياء، لقد رأى أمواج الأرجيين تسعى إلينا حثيثة، وقد زهاهم صرير أسلحتهم الذهبية، فأرسل على أحدهم صاعقته الملتهبة حين كان يمني نفسه أن يتغنى على أسوارنا نشيد الانتصار.
انظر إلى هذا البطل في يده جذوة من النار وقد خر صعقا، هذا الذي قد كان منذ حين مقداما شديد الجرأة كأنه الزوبعة القاصفة، ما أسرع ما تغير كل شيء، وما أسرع ما ألقى أريس ذو القوة والبطش مقاتلا في ميمنتنا على صفوف أعدائنا ما كانوا قد أعدوا من شر ووبال.
لقد ترك الزعماء السبعة الذين كانوا يحاربون مثلهم من زعماء ثيبة لنا أسلحتهم اللامعة لنرفعها آية مجد وعز إلى زوس منتصرا، ولم يبق إلا هذان الشقيان منحهم الحياة دم واحد، فأمضى كل منهما رمحه في صدر صاحبه، وكان لهما من الموت مورد واحد. ولكن النصر الذي يخلد الأسماء قد زار ثيبة فأنزل فيها الفرح والسرور منزل الحزن والألم.
إذا فدعوا عنكم ذكرى الحرب يا معشر أبناء ثيبة! ولنذهب إلى معابد الآلهة فنقبلها طوال الليل، وليقم ديونوسوس - بعد أن أمدنا جميعا بنشوته - من ألعابنا مقام الرئيس، ولكن هذا كريون بن مينيكيوس ملكنا الجديد الذي ولته أمورنا نعمة الآلهة، إنه ليقبل وكأنه يدير في خلده أمرا ذا خطر، فإن أمرا منه قد جمعنا الآن ليؤلف منا مجلس شوراه من جماعة الشيوخ.
كريون :
أيها الشيوخ، لقد أنقذ الآلهة من الغرق هذه المدينة التي كانت تكتنفها زوبعة قاصفة، وقد أردت أن أجمعكم هنا خاصة دون بقية المواطنين؛ لأني أعلم مقدار ما تضمرون من الإجلال لصولجان لايوس، وأعلم أيضا مقدار ما احتفظتم به من الوفاء لأويديپوس في حياته ولأبنائه من بعده، أما الآن وقد قضى كل من الغالب والمغلوب على صاحبه فقتل الرجلان وقضى عليهما قضاء واحد، فأنا صاحب الملك بحق الوراثة.
ليس من سبيل إلى أن تعرف نفس الرجل وذكاؤه وأخلاقه إذا لم يجلس مجلس الحكم، ولم يوكل إليه تدبير الدولة وحماية قوانينها. أما أنا فأعتقد وقد اعتقدت دائما أن ذلك الرجل الذي يكلف الحكومة وحماية القوانين فلا يقف نفسه على النصح للدولة وتحية كل شيء في سبيلها، بل يمنعه الخوف من ذلك؛ أعتقد أن هذا الرجل شرير ممقوت، ولا أستطيع إلا أن أزدري ذلكم الذي يؤثر منفعة الصديق على منفعة الوطن، يشهد علي بذلكم زوس الذي يحيط بكل شيء. لن أخفي ما يحدق بالمدينة من خطر أو يهدد راحة مواطني، ولن يكون صديقا لي من هو للدولة عدو، فإني واثق كل الثقة أن سلامتنا في سلامة الدولة، وأن وجود الأصدقاء ميسور إذا جرت سفينة المدينة آمنة هادئة.
على هذه القاعدة أريد أن أرفع شأن الدولة، وأوفر عليها أسباب النعيم، ومن هذه القاعدة نشأ ما أصدرت من الأمر في شأن ابني أويديپوس، أريد أن يقبر إيثيوكليس الذي امتاز بالشجاعة والإقدام، ووقف بيننا موقف المدافع عن وطنه، وأن تقام له الواجبات الدينية التي تؤدى إلى نفوس عظماء الرجال، أما بولينيس الذي خرج من وطنه طريدا فعاد إليه ومعه جيش من العدو ليدمره ويحرق أسواره وآلهته، وليجعلنا أرقاء، ولينقع غلته من دمائنا فقد أمرت أن لا يدفن ولا يبكى، وأن يكون جسمه بالعراء فريسة للكلاب وسباع الطير.
ذلكم ما أريد وما آمر به، فلن تنال الجرائم مني من المكافأة والجزاء ما هو موقوف على الفضيلة، فمن أبلى في خدمة وطنه بلاء حسنا فله مني الشرف وحسن المكافأة حيا وميتا.
Неизвестная страница