797

وأما اعتبار قصد الإحسان إلى الغير فلأن القاصد لنفع نفسه لا يسمى منعما وإن أوصل إنعامه إلى الغير كمن أحسن إلى جاريته بأنواع الحلي والحلل ليزينها في عين المشتري، وكذلك البزاز إذا أخرج للمشتري أنواع البز لم يكن منعما عليه، لأنه قصد نفع نفسه، وهذا أمر معلوم فإن التاجر إذا امتن على المشتري بأنه أخرج له الثياب الفاخرة فإنه يجيب بأنه لا منة لك علي ولا نعمة لأنك لم ترد إلا نفع نفسك، أو ما يؤدي هذا المعنى، فإن قيل قد فسرتم النعمة بالمنفعة فما معنى المنفعة؟ قيل: معناها: اللذة والسرور أو ما يؤدي إليهما أو إلى أحدهما، فأما اللذة والسرور فنحو حك جلد الأجرب ووضع اللقمة الشهية في فم الغير وخلع الخلعة النفيسة عليه، وأما ما يؤدي إليهما فنحو: أن يدفع إليه دراهم يشتري بها ما شاء، وأما ما يؤدي إلى أحدهما فكأن يدله على كنز فإنه يؤدي إلى السرور ولأجل هذا قيل: إن دفع الضرر معدود من المنافع وإن لم يكن نفعا بنفسه لما كان مؤديا إلى النفع، وذلك كمن استوهب إنسانا قد قدم للقتل وخلصه منه فإنه يكون منعما عليه بذلك، وكذلك قيل في الحياة: إنها نفع وإن لم تكن نفعا في نفسها لكنها أصل في المنافع ومؤدية إليها فكانت نعمة، فإن قيل: قد أوضحتم حقيقة النعمة فما حقيقة المنعم؟ قيل: هو فاعل النعمة ولا يزاد في تفسيره على هذا لأنه اسم مشتق من النعمة، والأسماء المشتقة لا يرجع في بيانها إلا إلى المشتق منه، فيقال: المحسن هو فاعل الإحسان، والضارب فاعل الضرب، وهكذا سائرها.

Страница 803