196

تنبيه [في التعليق على كلام الرازي] قد تقدم في عبارات أصحابنا أنه يجب وجود الفعل عند توفر الداعي وانتفاؤه عند الكراهة والصوارف، ولا يريدون بذلك الوجوب الذي يستحيل تخلفه، وإنما أرادوا وجوب استمرار، ولما سمع (الرازي) هذا الوجوب من كلام (أبي الحسين) تعجب من قوله به مع قوله بنفي الجبر، بل قال: إن قوله بهذا الوجوب غلو منه في الجبر ومبالغة فيه، وكأنه لم يعلم أن المراد بهذا الوجوب هو الاستمرار على طريقة واحدة كما تقدم، ولنقتصر على هذه الحجج الثلاث العقلية، ففيها كفاية لمن أنصف وترك المكابرة، والأشاعرة لا ينكرونها، ولذا لاذوا بالكسب.

وأما الحجج السمعية فهي كثيرة، ولا تكاد تجد آية ولا خبرا إلا وفيه دلالة بالمطابقة، أو التضمن، أو الالتزام على صحة مذهبنا، وسيأتي الكلام على الآيات في مواضعها إن شاء الله تعالى.

وأما الأخبار فسيأتي في أثناء الكتاب إن شاء الله ما يصدق هذه الدعوى.

ومن جملة الأدلة السمعية ما نحن بصدد الكلام عليه، وهو الاستعاذة، ودلالتها على ذلك ظاهرة، فإن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما تحسن إذا كان الإغواء والإضلال فعل الشيطان، فأما لو كان ذلك فعل الله تعالى ليس للشيطان فيه أثر فكيف يستعاذ من شره، بل كان الواجب على هذا أن يستعاذ من شر الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.

وظاهر كلام (الرازي) التزام هذا وأن الاستعاذة لا تكون إلا من الله تعالى عن ذلك كما سيأتي، وفي هذا من سوء الأدب، ومخالفة العقل، والكتاب والسنة ما لا يؤمن عليه الهلاك بسببه، فإن أريد بذلك الحكاية، أو مجرد الجدل فقد لبس وشكك في موضع يجب عليه البيان فيه، فالله المستعان.

فإن قيل: ما المطلوب بالاستعاذة هل منع الشيطان بالنهي ونحوه، فقد فعل وطلب ما قد فعل محال؛ لأنه من تحصيل الحاصل وهو محال، أم منعه بالقسر والجبر، فذلك ينافي التكليف والشيطان مكلف.

Страница 196