765

ويشبه هذه القصة ما حكاه التنوخي قال: حدث أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي المعروف بالببغاء، وكتبه بإملائه، قال: كنت بصور في سني نيف وخمسين وثلاثمائة عند أبي علي بن محمد بن علي المستأمن، إنما لقب بذلك لأنه استأمن من عسكر القرامطة إلى أصحاب السلطان بالشام، وهو على حماية البلد، فجاءه قاضيها أبو القاسم بن أبان، وكان شابا أديبا فاضلا جليلا واسع المال عظيم الثروة ليلا، فاستأذن عليه، فأذن له، ولما دخل إليه قال: أيها الأمير قد حدث الليلة أمر مالنا بمثله عهد وهو أن في هذه البلد رجل ضرير يقوم كل ليلة في الثلث الأخير ليطوف بالبلد، ويقول بأعلى صوته: يا غافلين اذكروا الله، يا مذنبين استغفروا الله، يا مبغض معاوية عليك لعنة الله، وإن رابيتي(1) التي ربتني كانت لها عادة في أن تنتبه على صياحه، فجاءتني الليلة، وأيقضتني، وقالت لي: كنت نائمة فرأيت في منامي كأن الناس يهرعون إلى المسجد الجامع، فسألت عن السبب، فقالوا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - هنالك فتوجهت إلى المسجد ودخلته ورأيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على أعلى المنبر /164/ وبين يديه رجل واقف، وعن يمينه ويساره غلامان واقفان والناس يسلمون على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ويرد - عليهم السلام- حتى رأيت الضرير الذي يطوف في البلد ويذكر ويقول: كذا وكذا وأعادت ما يقول في كل ليلة فدخل فسلم على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فأعرض عنه، وعاوده فأعرض عنه، وعاوده ثالثة فأعرض، فقال الرجل الواقف: يا رسول الله رجل ضرير من أمتك يحفظ القرآن يسلم عليك فلم حرمته الرد عليه؟ فقال له: يا أبا الحسن، هذا يلعنك ويلعن ولدك منذ ثلاثين سنة، فالتفت الرجل الواقف فقال: يا قنبر فإذا بالرجل قد بدر فقال أصفعه فصفعه صفعة خر على وجهه، ثم انتبهت فلم أسمع صوتا، وهذا الوقت الذي جرت عادته فيه بالصياح والطواف والتذكير.

Страница 315