ومن هذه الضواحي سان كلو، ولها أيضا شهرة ذائعة يوصل إليها بالترامواي الكهربائي من عند متحف اللوفر ويمر القطار في أحسن البقاع وأبهى الضياع، وفيه سان كلو قصر فخيم كان الإمبراطور نابوليون الثالث يقضي بعض الصيف فيه، وقد أصاب القصر المذكور ضرر كثير من مدافع الجيش البروسي في حرب سنة 1870، وفي سان كلو أيضا مناظر فائقة الجمال ومنازل للأغنياء من سكان باريس أو من الذين يعملون فيها مدة النهار ويستريحون بقية يومهم في هذه المساكن البديعة، وكثيرا ما يصل إليها الرجال والنساء مشيا على الأقدام من باريس بقصد التنزه أو جريا على ذات العجلتين المعروفة باسم بيسكل أو في العربات؛ لأن منظر هذا الموقع من أحسن ما يمكن أن تكتحل بمرآه العين، ويمكن الرجوع في نهر السين عن طريق سيفر، وهي على مقربة من سان كلو واقعة إلى ضفة السين، وفيها معمل الفخار الصيني الفاخر المعروف باسم سيفر، يزوره الناس كثيرا لشهرته، ويباع بعض الذي يصنع فيه بألوف من الفرنكات ثمن كل قطعة، ولباريس غير هذه من الضواحي الجميلة ما نرى أن الاقتصار عن ذكره أولى لكثرته، لا سيما وأننا قد أسهبنا في وصفها، وذكرنا عنها أهم ما يجب ذكره فنتركها الآن ونتقدم إلى سواها.
بوردو
لما انتهيت من الإقامة في باريس العظيمة قصدت السفر إلى بلاد البورتوغال، وعرجت في طريقي على مدينة بوردو الشهيرة، وهي من أهم المدائن الفرنسوية، عدد سكانها ثلاثمائة ألف نفس، وهي واقعة على ضفة نهر غارون تبعد نحو 58 ميلا عن مصبه في الأوقيانوس الأتلانتيكي، وقد كانت من المدن التي استولى عليها الرومانيون في عهدها القديم، ثم ملكها العرب وسموها بردال وفتحها الإنكليز سنة 1152 فعادت إلى فرنسا في سنة 1451، ومن ذلك العهد جعلت تتقدم وتنمو حتى صارت إلى درجتها الحاضرة من الأهمية والعظمة، وهي لها مينا عظيم واسع ترسو به الباخرات الكبرى وتنقل إلى شاسع الأقطار مصنوعات بوردو من الورق والمنسوجات والأسماك المقددة، وأشهر من هذا كله خمر بوردو المعروفة، وهي من ألذ الخمور وأفخرها، لا يعرف الناس طريقة صنعها إلا في ثلاثة معامل في مدينة بوردو هذه، ويصدر من معاملها نبيذ بقيمة 12 مليون جنيه في السنة.
وكان في بوردو يوم دخلناها معرض مثل معرض أمستردام الذي ذكرناه فدخلناه، وكان محافظ مدينة لندن قد عول في ذلك اليوم على دخول المعرض أيضا، والناس يستعدون لقدومه وملاقاته، وصعدنا في المعرض أعلى برج جميل وضع في رأسه النور الكهربائي فيرى الناظر من أعلاه مدينة بوردو بكل أجزائها، ولها منظر يذكر وحركة تجارية أهم من منظرها وأشهر.
وكانت بوردو هذه آخر مدائن فرنسا العظيمة التي زرناها في هذه السياحة فتركتها قاصدا إتمام السفر إلى بلاد البورتوغال على مثل ما تقدم، وسوف ترى الكلام عن غير هذا من مدائن فرنسا في فصل قادم من فصول هذا الكتاب.
البورتوغال
خلاصة تاريخية
إن بلاد البورتوغال تعد من حيث موقعها الطبيعي جزءا من إسبانيا، كانت مملكة واحدة معها مدة من الزمان، واختلط تاريخ الأمتين إلى أن استقلت بلاد البورتوغال، وصارت مملكة ذات شأن في أواسط القرن السابع عشر؛ ولهذا فإن كثيرا مما يذكر عن تاريخ هذه البلاد تراه في الفصل القادم عن مملكة إسبانيا المجاورة لها، هذا غير أن الأمتين من أصل واحد وأميال واحدة، وأن العرب استولوا عليهما في زمن واحد فالأسماء العربية تكثر في البلادين كما ترى بعد.
ولقد كان الرومان أول من دخل بلاد البورتوغال وفتحها، وهم الذين أطلقوا عليها اسم لوزتانيا، ولقوا من أهلها عنادا وبسالة في الدفاع عن استقلالهم، وكان أهل فينيقية وقرطاجنة قد وصلوا البورتوغال ونقلوا إليها الأبضعة من قبل الفتح الروماني، إلا أن ذلك لم يؤثر في حالتها كثيرا، وظلت هذه البلاد خاضعة لمملكة رومة من سنة 140 قبل التاريخ المسيحي على حين سقوط المملكة الرومانية، فتوالت على لوزتانيا - أو هي بلاد البورتوغال - هجمات القبائل المتبربرة التي كثر شرها في تلك الأجيال، وظلت في حرب مستمرة معها ومع من يجاورها حتى جاءها العرب وأخضعوها مع أكثر الولايات الإسبانية في القرن الثامن، وسيأتي ذكر العرب في الأندلس عند الكلام على إسبانيا.
على أن أهالي إسبانيا لم يسكتوا عن محاربة العرب من بعد هذا الفتح؛ فإنهم ظلوا يناوشونهم ويسترجعون منهم الأراضي شيئا بعد شيء، وكانت بلاد البورتوغال الحالية في جملة الأراضي التي أعيدت إلى قبضة الملوك المسيحيين من أهل كاستيل وليون، وهم لم يخضعوا للعرب خضوعا تاما في زمن من الأزمان، حتى إن ألفونسو السابع ملك ليون وكاستيل وهب في سنة 1095 الأراضي الواقعة بين نهري تاج ومنهو لقريبه هنري أمير بورغونيا ووهبه أيضا مدينة بورتو، فجعل هنري هذا قصبة حكمه في بورتو المذكورة، ومن ذلك العهد أطلق على البلاد اسم بورتوغال - أي بلد بورتو - ولما مات هنري البورغوني وخلفه ابنه ألفونسو استبد بالملك، وصار ملكا مستقلا للبورتوغال، فكان ذلك بدء إنشاء المملكة.
Неизвестная страница